وقوله: (لَتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ)
وَمِثْلُهُ (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ) .
و"ما"في جمع الموضعين نَفْيٌ، أي لم يشاهدُوا هُمْ ولا آباؤهم نبيًّا.
فأما الإنذار بما قدم من رسل اللَّه صلى اللَّه عليهم فعلى
آبائهم به الحجة، لأن اللَّه عزَّ وجلَّ لا يُعَذَبُ إلا من كفر بالرسُل.
والدليل على ذلك قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (1) .
قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ(5)
أعلم الله عزَّ وجلَّ أنه يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثم
يعرج الأمر إليه في يوم، وذلك اليوم مقداره ألفُ سَنَةٍ مما تعدُونَ.
ومعنى يَعْرُج ينزل ويَصْعَدُ يقال عَرَجْتُ في السِّلْمِ أَعْرُجُ، ويُقَالُ عَرِج
يَعْرَجُ إذَا صَار أَعْرَجَ.
وقوله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ
وقد قرئ (خَلَقَهُ) بتحريك اللام وتسكينها جميعًا - ويجوز خَلْقهُ
بالرفع ولا أعلم أحدًا قرأ بها.
فأمَّا (خَلَقَهُ) فعلى الفِعْلِ المَاضِي.
وتأويل الِإحْسَانِ في هذا أنه خَلَقَهُ على إرَادَتِه فخلق الإِنْسَانَ في أحسن
تَقْوِيمٍ، وخلق القِرْدَ على ما أحب - عزَّ وجلَّ - وخَلقُه إياهُ على ذلك
مِنْ أَبْلَغِ الحكمةِ
ومن قرأ (خَلْقَهُ) بتسكين اللام فعلى وَجْهَيْنِ:
أحدهما المَصدَرَ الذي دل عليه أَحْسَنَ، والمعنى الذي خلق كل شيء خلقه.
ويجوز أن يكون على البَدَلِ فيكون المعنى الذي أَحْسَنَ خلْقَ كُل شيء.
خَلَقَهُ، والرفعُ على إضمار:"ذَلِكَ خَلْقُه" (2) .
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طَينٍ) .
(1) قال السَّمين:
قوله: {قَوْمًا مَّآ أَتَاهُم} الظاهرُ أنَّ المفعولَ الثاني للإِنذار محذوفٌ. و «قومًا» هو الأولُ؛ إذ التقديرُ: لتنذِرَ قومًا العقابَ، و «ما أتاهم» جملةٌ منفيَّةٌ في محلِّ نصبٍ صفةً ل «قومًا» يريد: الذين في الفترةِ بين عيسى ومحمدٍ عليهما السلام. وجعله الزمخشري كقوله: {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} [يس: 6] فعلى هذا يكونُ «مِنْ نذير» هو فاعلَ «أتاهم» و «مِنْ» مزيدةٌ فيه. و «مِنْ قبلِك» صفةٌ لنذير. ويجوزُ أَنْ تتعلَّقَ «مِنْ قبلك» ب «أَتاهم» .
وجَوَّزَ الشيخُ أَنْ تكونَ «ما» موصولةً في الموضعين، والتقدير: لتنذِرَ قومًا العقابَ الذي أتاهم مِنْ نذيرٍ مِنْ قبلك. و «مِنْ نذير» متعلقٌ ب «أَتاهم» أي: أتاهم على لسانِ نذيرٍ مِنْ قبلِك، وكذلك {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} [يس: 6] أي: العقابَ الذي أُنْذِرَه آباؤهم. ف «ما» مفعولةٌ في الموضعين، و «لِتُنْذرَ» يتعدَّى إلى اثنين. قال تعالى: {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً} [فصلت: 13] . وهذا القولُ جارٍ على ظواهر القرآن. قال تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] {أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} [المائدة: 19] . قلت: وهذا الذي قاله ظاهرٌ.
ويظهر أنَّ في الآية الأخرى وجهًا آخرَ: وهو أَنْ تكونَ «ما» مصدريةً تقديرُه: لتنذِرَ قومًا إنذارًا مثلَ إنذارِ آبائِهم؛ لأنَّ الرسلَ كلَّهم متفقون على كلمة الحق.
اهـ (الدُّرُّ المصُون) .
(2) قال السَّمين:
قوله: «خَلَقَه» قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بسكونِ اللام. والباقون بفتحها. فأمَّا الأُولى ففيها أوجهٌ، أحدُها: أن يكونَ «خَلْقَه» بدلًا مِنْ «كلَّ شيء» بدلَ اشتمالٍ مِنْ «كلَّ شيءٍ» ، والضميرُ عائدٌ على كل شيء. وهذا هو المشهورُ المتداوَلُ. الثاني: أنه بدلُ كلٍ مِنْ كل، والضميرُ على هذا عائدٌ على الباري تعالى. ومعنى «أحسن» : /حَسَّن؛ لأنه ما مِنْ شيءٍ خَلَقَه إلاَّ وهو مُرَتَّبٌ على ما تَقْتَضيه الحكمةُ، فالمخلوقاتُ كلُّها حسنةٌ. الثالث: أن يكونَ «كلَّ شيءٍ» مفعولًا أول، و «خَلْقَه» مفعولًا ثانيًا على أَنْ يُضَمَّن «أحسَنَ» معنى أَعْطى وأَلْهَمَ. قال مجاهد: «أعطى كلَّ جنسٍ شكله» . والمعنى: خَلَقَ كلَّ شيءٍ على شكلِه الذي خصَّه به. الرابع: أن يكون «كلَّ شيء» مفعولًا ثانيًا قُدِّم، و «خَلْقَه» مفعولًا أول أُخِّر، على أَنْ يُضَمَّنَ «أَحْسَنَ» معنى أَلْهَمَ وعَرَّف. قال الفراء: «ألهم كلَّ شيءٍ خَلْقَه فيما يحتاجون إليه فيكونُ أَعْلَمهم ذلك» . قلت: وأبو البقاء ضَمَّن أحسنَ معنى عَرَّف. وأَعْرَبَ على نحوِ ما تقدَّم، إلاَّ أنه لا بُدَّ أن يُجْعَلَ الضميرُ لله تعالى، ويُجعلَ الخَلْقُ بمعنى المَخْلوق أي: عَرَّف مخلوقاتِه كلَّ شيءٍ يحتاجون إليه، فيَؤول المعنى إلى معنى قولِه: {أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
الخامس: أن تعودَ الهاء [على الله تعالى] وأَنْ يكون «خَلْقَه» منصوبًا على المصدرِ المؤكِّدِ لمضمون الجملةِ كقولِه: {صُنْعَ الله} [النمل: 88] ، وهو مذهبُ سيبويه أي: خَلَقَه خَلْقًا. ورُجِّحَ على بدلِ الاشتمال: بأنَّ فيه إضافةَ المصدرِ إلى فاعِله، وهو أكثرُ مِنْ إضافتِه إلى المفعول، وبأنه أبلغُ في الامتنانِ لأنه إذا قال: {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ} كان أبلغَ مِنْ «أَحْسَنَ خَلْقَ كلِّ شيء» ؛ لأنه قد يَحْسُنُ الخلقُ - وهو المحاولةُ - ولا يكون الشيء في نفسِه حَسَنًا. وإذا قال: أحسنَ كلَّ شيْءٍ اقتضى أنَّ كلَّ شيءٍ خَلَقَه حَسَنٌ، بمعنى أنه وَضَعَ كلَّ شيءٍ في موضعِه.
وأمَّا القراءةُ الثانية ف «خَلَقَ» فيها فعلٌ ماضٍ، والجملةُ صفةٌ للمضافِ أو المضافِ إليه، فتكونُ منصوبةَ المحلِّ أو مجرورتَه.
قوله: «وَبَدَأ» العامَّةُ على الهمزِ. وقرأ الزهريُّ «بدا» بألفٍ خالصةٍ، وهو خارجٌ عن قياسِ تخفيفِها، إذ قياسُه بينَ بينَ. على أن الأخفش حكى «قَرَيْتُ» وجوَّز الشيخ أن يكونَ مِنْ لغةِ الأنصار. يقولون في بدأ: «بَدِي» يكسِرون الدالَ وبعدها ياءٌ، كقولِ عبدِ الله بن رواحة الأنصاري:
3669 بسمِ الإِلهِ وبه بَدِيْنا. . . ولو عَبَدْنا غيرَه شَقِيْنا
قال: «وطيِّئٌ تقول في بَقِي: بَقَا» . قال: «فاحتمل أَنْ تكونَ قراءةُ الزهري من هذه اللغةِ، أصلُه بَدِي، ثم صار بدا» . قلت: فتكون القراءةُ مركبةً مِنْ لغتَيْن.
اهـ (الدُّرُّ المصُون) .