فهرس الكتاب

الصفحة 1608 من 2149

ولو قُرئَتْ فَلَا عُدْوَانٌ في لجاز من جهتين

إحْداهما أَنْ تَكونَ (لا) رافعة كَلَيْسَ

كما قال الشاعرِ:

مَن صَدَّ عن نِيرانِها. . . فأنا ابن قيس لاَ بَراحُ

ويجوز أن يكون"عُدْوَانُ"رَفْعًا بالابتداء و"عَلَيَّ"الخبرُ.

و"لا"نافية غير عَامِلةٍ، كما تقول لَا زَيْد أَخُوكَ وَلاَعَمْرو.

و"أي"هي في موضع الجزاء مَنْصُوبةْ بِـ (قَضيْتُ) .

وجواب الجزاء (فَلا عُدْوَانَ) ، و"ما"زائدة مؤكدة.

والمعنى أي الأجلين قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ (1) .

وقوله: (وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) .

أي واللَّهُ عَز وَجَل شَاهِدُنا على ما عَقَدَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْض.

وقوله: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ(29)

يُروَى أنه قغسى أتئم الأجَلَيْنِ، وهو عَشْرُ سِنِين.

وقوله: (آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطورِ نَارًا) .

آنس علم وأبصر، يقال: قد آنست ذلك الشخص أي أَبْصَرْته.

(قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) .

أي لعلي أْعلم لِمَ أُوقِدَتْ.

(أَوْ جِذْوَةٍ مِنَ النَّارِ) .

الجذوة القطعهة الغليظة من الحطب.

ويقرأ: أَوْ جُذوة بالضَم، ويقال جَذْوة بالفتح.

فيها ثلاث لغات (2) .

وقوله: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(30)

(1) قال السَّمين:

قوله: {ذَلِكَ} : مبتدأٌ. والإِشارةُ به إلى ما تعاقَدَا عليه، والظرفُ خبرُه. وأُضِيْفَتْ «بين» لمفردٍ لتكررِها عطفًا بالواوِ. ولو قلتَ: «المالُ بين زيدٍ فعمرٍو» لم يَجُزْ. فأمَّا قولُه:

.. . . . . . . . . . . . . . . . بين الدَّخولِ فَحَوْمَلِ

فكان الأصمعيُّ يَأْباها ويَرْوي «وحَوْمَلِ» بالواو. والصحيحُ بالفاءِ، وأوَّلَ البيتَ على: «الدَّخولِ وَحَوْمَلِ» مكانان كلٌّ منهما مشتملٌ على أماكنَ، نحو قولِك: «داري بين مصرَ» لأنه به المكانُ الجامع. والأصل: ذلك بَيْنَنا، ففرَّق بالعطف.

قوله: {أَيَّمَا الأجلين} «أيّ» شرطيةٌ. وجوابُها «فلا عُدْوانَ» عليَّ. وفي «ما» هذه قولان، أشهرُهما: أنها زائدةٌ كزيادتِها في أخواتِها مِنْ أدواتِ الشرط. والثاني: أنها نكرةٌ. والأَجَلَيْن بدلٌ منها. وقرأ الحسن وأبو عمرٍو في رواية «أَيْما» بتخفيفِ الياءِ، كقوله:

تَنَظَّرْتُ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أَيْهُما. . . عليَّ من الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مواطِرُهْ

وقرأ عبد الله «أَيَّ الأَجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ» بإقحام «ما» بين «الأجلين» و «قَضَيْتُ» . قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما الفرقُ بين موقعَيْ زيادةِ» ما «في القراءتين؟ قلت: وقعَتْ في المستفيضة مؤكِّدةً لإِبهامِ» أيّ «زائدةً في شِياعِها، وفي الشاذَّة تأكيدًا للقضاءِ كأنه قال: أيَّ الأجلين صَمَّمْتُ على قضائه، وجَرَّدْت عَزيمتي له» .

وقرأ أبو حيوةَ وابنُ قطيب «عِدْوان» . قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: تَصَوُّرُ العُدْوان إنما هو في أحد الأجلَيْن الذي هو أقصرُهما، وهو المطالبةُ بتتمَّة العَشْر، فما معنى تعلُّقِ العُدْوانِ بهما جميعًا؟ قلت: معناه كما أنِّي إنْ طُوْلِبْتُ بالزيادةِ على العشر [كان عدوانًا] لا شك فيه، فكذلك إنْ طولِبْتُ بالزيادةِ على الثمان. أراد بذلك تقريرَ ِأمرِ الخِيارِ، وأنه ثابتٌ مستقرٌّ، وأن الأجلَيْنِ على السَّواء: إمَّا هذا وإمَّا هذا» . ثم قال: «وقيل: معناه: فلا أكونُ متعديًا. وهو في نَفْي العدوان عن نفسه كقولِك: لا إثمَ علي ولا تَبِعَةَ» . قال الشيخ: «وجوابُه الأولُ فيه تكثيرٌ» . قلتُ: كأنه أعجبه الثاني، والثاني لم يَرْتَضِه الزمخشريُّ؛ لأنه ليس جوابًا في الحقيقة؛ فإن السؤالَ باقٍ أيضًا. وكذلك نَقَلَه عن غيره.

وقال المبرد: «وقد عَلِم أنه لا عُدْوانَ عليه في أتَمِّهما، ولكنْ جَمَعَهما ليجعلَ الأولَ كالأَتَمِّ في الوفاء» . اهـ (الدُّرُّ المصُون) .

(2) قال السَّمين:

قوله: {أَوْ جَذْوَةٍ} : قرأ حمزة بضم الجيم. وعاصم بالفتح. والباقون بالكسرِ. وهي لغاتٌ في العُود الذي في رأسِه نارٌ، هذا هو المشهورُ. قال السُّلمي:

حمى حُبِّ هذي النارِ حُبُّ خليلتي. . . وحُبُّ الغواني فهو دونَ الحُباحُبِ

وبُدِّلْتُ بعد المِسْكِ والبانِ شِقْوةً. . . دخانَ الجُذا في رأسِ أشمطَ شاحبِ

وقيَّده بعضُهم فقال: في رأسِه نارٌ مِنْ غيرِ لَهَبٍ. قال ابن مقبل:

باتَتْ حواطِبُ ليلى يَلْتَمِسْنَ لها. . . جَزْلَ الجُذا غَيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرِ

الخَوَّارُ: الذي يتقصَّفُ. والدَّعِرُ: الذي فيه لَهَبٌ، وقد وَرَدَ ما يقتضي وجودَ اللهبِ فيه. قال الشاعر:

3603 وأَلْقَى على قَبْسٍ من النارِ جَذْوةً. . . شديدًا عليها حَمْيُها والتهابُها

وقيل: الجَذْوَة: العُوْدُ الغليظُ سواءً كان في رأسه نارٌ أم لم يكنْ، وليس المرادُ هنا إلاَّ ما في رأسِه نارٌ.

قوله: {مِّنَ النار} صفةٌ ل جَذْوَةٍ، ولا يجوزُ تَعَلُّقها ب «آتِيْكُمْ» كما تَعَلَّق به «منها» ؛ لأنَّ هذه النارَ ليسَتْ النارَ المذكورةَ، والعربُ إذا تقدَّمَتْ نكرةٌ وأرادَتْ إعادَتَها أعادَتْها مضمرةً، أو معرَّفَةً ب أل العهديةِ، وقد جُمِع الأمران هنا.

اهـ (الدُّرُّ المصُون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت