الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} فَأَمَّا الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتَكَ يَا عِيسَى، وَخَالِفُوا مِلَّتَكَ وَكَذَّبُوا بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، وَقَالُوا فِيكَ الْبَاطِلَ وَأَضَافُوكَ إِلَى غَيْرِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُضِيفُوكَ إِلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَسَائِرِ أَصْنَافِ الْأَدْيَانِ؛ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا؛ أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَبِالْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ وَالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ؛ وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ، فَبِنَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.
{وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}
يَقُولُ: وَمَا لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَانِعٌ، وَلَا عَنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ لَهُمْ دَافِعٌ بِقُوَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ الْعَزِيزُ ذُو الِانْتِقَامِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِكَ يَا عِيسَى، يَقُولُ: صَدَّقُوكَ فَأَقَرُّوا بِنُبُوَّتِكَ، وَبِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مِنْ عِنْدِي، وَدَانُوا بِالْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثْتُكَ بِهِ، وَعَمِلُوا بِمَا فَرَضْتُ مِنْ فَرَائِضِي عَلَى لِسَانِكَ، وَشَرَّعْتُ مِنْ شَرَائِعِي، وَسَنَنْتُ مِنْ سُنَنِي.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنْ ظَلَمَ غَيْرَهُ حَقًّا لَهُ، أَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَنَفَى جَلَّ ثناؤُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ أَنْ يَظْلِمَ عِبَادَهُ، فَيُجَازِي الْمُسِيءَ مِمَّنْ كَفَرَ جَزَاءَ الْمُحْسِنِينَ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، أَوْ يُجَازِي الْمُحْسِنَ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَ أَمْرَهُ وَانْتَهَى عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ فَأَطَاعَهُ جَزَاءَ الْمُسِيئِينَ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أُحِبُّ الظَّالِمِينَ، فَكَيْفَ أَظْلِمُ خَلْقِي؟. وَهَذَا الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ، كَأَنَّهُ وَعِيدٌ مِنْهُ لِلْكَافِرِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ، وَوَعْدٌ مِنْهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا أَنَّهُ لَا يَبْخَسُ هَذَا الْمُؤْمِنَ حَقَّهُ، وَلَا يَظْلِمُ كَرَامَتَهُ، فَيَضَعُهَا فِيمَنْ كَفَرَ بِهِ، وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، فَيَكُونُ لَهَا بِوَضْعِهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا ظَالِمًا.