الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ عَلَى مِنْهَاجِكَ وَمِلَّتِكَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَفِطْرَتِهِ فَوْقَ الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، وَخَالَفُوا بِسَبِيلِهِمْ جَمِيعَ أَهْلِ الْمِلَلِ، فَكَذَّبُوا بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَصَدُّوا عَنِ الْإِقْرَارِ بِهِ، فَمَصِيرُهُمْ فَوْقَهُمْ ظَاهِرِينَ عَلَيْهِمْ.
عَنْ قَتَادَةَ، «هُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى فِطْرَتِهِ وَمِلَّتِهِ وَسُنَّتِهِ فَلَا يَزَالُونَ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
وعَنِ السُّدِّيِّ:"أَمَّا الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ، فَيُقَالُ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَلَيْسَ هُمُ الرُّومُ"
وَقَالَ آخَرُونَ: وَمَعْنَى ذَلِكَ: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ مِنَ النَّصَارَى فَوْقَ الْيَهُودِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكَمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: {ثُمَّ إِلَيَّ} ثُمَّ إِلَى اللَّهِ أَيُّهَا الْمُخْتَلِفُونَ فِي عِيسَى، {مَرْجِعُكُمْ}
يَعْنِي مَصِيرَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {فَأَحْكُمْ بَيْنَكُمْ}
يَقُولُ: فَأَقْضِي حِينَئِذٍ بَيْنَ جَمِيعِكُمْ فِي أَمْرِ عِيسَى بِالْحَقِّ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ مِنْ أَمْرِهِ. وَهَذَا مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي صُرِفَ مِنَ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ إِلَى الْمُخَاطَبَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ مُتَّبِعِي عِيسَى وَالْكَافِرِينَ بِهِ. وَتَأْوِيلُ. الْكَلَامِ: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُ الْفَرِيقَيْنِ: الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِكَ، فَأَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، وَلَكِنْ رُدَّ الْكَلَامُ إِلَى الْخَطَّابِ لِسُبُوقِ الْقَوْلِ عَلَى سَبِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ، كَمَا قَالَ: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيْبَةٍ}