قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ أَمَاتَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَكُنْ بِالَّذِي يُمِيتُهُ مَيْتَةً أُخْرَى، فَيَجْمَعُ عَلَيْهِ مَيْتَتَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ يَخْلُقُهُمْ ثُمَّ يُمِيتَهُمْ، ثُمَّ يُحْيِيهِمْ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكِمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ}
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: قَالَ اللَّهُ لِعِيسَى: يَا عِيسَى إِنِّي قَابِضُكَ مِنَ الْأَرْضِ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ، وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَجَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، وَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ خَبَرٍ، فَإِنَّ فِيهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ احْتِجَاجًا عَلَى الَّذِينَ حَاجُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِيسَى مِنْ وَفْدِ نَجْرَانَ بِأَنَّ عِيسَى لَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُصْلَبْ كَمَا زَعَمُوا، وَأَنَّهُمْ وَالْيَهُودُ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِذَلِكَ وَادَّعُوا عَلَى عِيسَى كَذْبَةٌ فِي دَعْوَاهُمْ وَزَعْمِهِمْ.
وَأَمَّا مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَإِنَّهُ يَعْنِي مُنَظِّفُكَ، فَمُخَلِّصُكَ مِمَّنْ كَفَرَ بِكَ وَجَحَدَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مِنَ الْيَهُودِ وَسَائِرِ الْمِلَلِ غَيْرِهَا.
عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} قَالَ: «طَهَّرَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، وَمِنْ كُفَّارِ قَوْمِهِ»