قال فِي الكشاف: هذا على أن الاختصام والبشارة وقعا فِي زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما لقيته فِي ساعة منها . فيكون الزمان الواسع زماناً لكل منهما ، فيكون الثاني بدل الكل من الأول . ويجوز أن يتعلق ب {يختصمون} ولا يحتاج إلى زمان واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة فِي حال الصغر ، وأن ذلك كان من كراماتها ، فجاز أن ترد عليها البشرى فِي حالة الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل . واعلم أن حدوث الشخص من غير نطفة الأب أمر ممكن فِي نفسه ، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر ، والحيات عن الشعر العفن ، والعقارب عن الباذروج غايته الاستبعاد عرفاً وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظناً قوياً فضلاً عن العلم . ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته . ومما يزيده فِي العقل بياناً أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث . كتصور حضور المنافي للغضب ، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض . وقد جعلت الفلاسفة هذا كأصل فِي بيان جواز المعجزات والكرامات . فما المانع أن يقال إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك فِي علوق الولد فِي رحمها ، فإن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد ، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد . قوله: {بكلمة منه} لفظة"من"ههنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية لأنه تعالى غير متبعض بوجه من الوجوه ، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة حاصلة من الله . وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة"كن"فِي حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة ، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال . وللمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق . وأصله"مشيحا"بالعبرانية ومعناه