إني أقول لكم لم يولد في الإنس أشرف من يحيى، ولكن الأصغر في الملكوت
أشرف منه، وكل كتاب أوتي منتهاه إلى يحيى، وإن يقبل غيره هو في مثابة الناس
القادم، فمن كانت له أذن سامعة فليسمع، ومما توجه إليه اسم يحيى أن الله - عز وجل - وتعالى علاؤه وشأنه هو الذي سماه.
ولصدق قوله وتحقيق حديثه لا بد له أن يحيا في المستقبل؛ لأنه من الله - جلَّ جلالُه - أنه
يحيا فقد حيي في الدار الدنيا بالنبوة والحكمة والكتاب الذي آتاه والتقى والمضاف
المحض، ثم حيي بالشهادة في الدار الوسطى، فهو عند الله جلَّ ذكره حي هذا غير
مدافع فيه، وهذا قد شركه غيره؛ أعني: في النبوة والحكمة والحياة بالشهادة.
وقد بقي وعد الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه بأنه يحيى مستقبلاً لم يجعل الله له
سميًّا قبل ذلك الوقت، وكيفما كان من ذلك (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .
قوله جلَّ ذكره: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ(39)
أي مصدقًا بعيسى ابن مريم - صلوات الله وسلامه
عليهم - هو كلمة الله جمع له بين البشارة بابنه يحيى، والبشارة بأنه يخلق عبدًا
وكلمة له، وأن هذا المولود مصدقًا به، وأنه يكون سيدًا؛ أي: موطوء العقب في
مقابلة قوله - عليه السَّلام -: (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا) ويعود على موروثه بركة، وذلك بسيدِّ ثلم
قومه، هذا في مقابلة قوله - عليه السَّلام -: الوراثة وخوفه ضياع الأتباع.
سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما السؤدد؟ فقال:"هو العقل".
ولا ينال شيء من الخير إلا بصحبة العقل، فكان - عليه السَّلام - أعني: يحيى - أشبه
عيسى - عليه السَّلام - في أنه لم يأتِ النساء.
ونصب قوله: (مُصَدِّقًا) على الحال، ويكون أيضًا نصبه على المدح
والاختصاص، وإنما يتم في عيسى - عليه السلام - بإتيانه المنتظر منه، ورفع الله عيسى - عليه السلام -
وهما معًا الآن في حال الحياة عنده.