والإلهام معنى مجازي، وأَيْضًا إسناد الإلهام إلَى الْمَلَائكَة خلاف الظَّاهر والوساطة في إلهام
الله تَعَالَى غير مُتَعَارَفة.
قوله: (والاصطفاء الأول) شروع في بيان تغاير الاصطفائين ليظهر لكل واحد منهما
فَائدَة جديدة وهي كون (تقبلها من أمها) اصطفاء لأن الاصطفاء من الصفوة وهو الخالص
من كل شيء ، والتقبل الْمَذْكُور من هذا القبيل (ولم تقبل قبلها أنثى) إشَارَة إليه وعدم قبول
أنثى قبلها في خدمة بيت المقدس لا يقتضي النذر.(وتفريغها للعبادة وإغناؤها برزق الجنة
عن الكسب).
قوله: (وتطهيرها تطهيرًا عَمَّا يستقذر من النساء) وهو الحيض والنفاس وهو لا يلائم
ما ذكره في سورة مريم. قيل قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض والأولى الأخلاق
[الرديئة] ومس الرجال.
قوله: (والثاني) أي الاصطفاء الثاني (هدايتها) أي إلَى طريق الحق وإلى المطلوب
المطلق، وفي كلامه تنبيه عَلَى أن الاصطفاء الأول قبل البلوغ والاصطفاء الثاني بعد البلوغ
وفي كلامه شاهد عليه فظهر اخْتصَاص جمع ما ذكر في الأول بالأول وجمع ما ذكر في
الثاني بالثاني لكن التفريغ للعبادة يليق ذكره في الثاني.
قوله:(وإرسال الْمَلَائكَة إليها وتَخْصيصها بالكرامة السنية كالولد من غير أب وتبرئتها
مما قذفت الْيَهُود)أي اتهمتها بيُوسُف النجار من عُبَّاد بَني إسْرَائيلَ (بإنطاق الطفل) حيث
قال عيسى عليه السَّلام في المهد (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ) الآية. وإنطاق
الطفل نفسه [تبرئة] لأن هذا ليس إلا حال ولد الرشدة لا ينكرها إلا ولد الزنا لسانًا لا قلبًا
لأنه من أجلى البديهيات (وجعلها(وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) فيه نوع اقتباس
وكونهما آية بولادتها إياه من غير مسيس، أو تكلم عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ في المهد وظهور
معجزات أخر منه آية وولادتها من غير مسيس آية فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها(يا
مريم)أعيد النداء لتغاير المنادى له وفيه تنشيط لها إلَى الصلاة لا سيما مع الجماعة بلذة
المكالمة مع الْمَلَائكَة.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: والاصطفاه الأول تقبلها من أُمها أي تقبلها من أمها لخدمة بيت المقدس ولم يقبل
قبلها [أنثى] لتلك الخدمة. قَالَ الإمام: ولا يجوز أن يكون الاصطفاء الأول هُوَ الاصطفاء الثاني لما أن
التصريح بالتكرير غير لائق فلا بد من صرف الاصطفاء الأول ما اتفق لها من الأمور الحسنة في
أول عمرها، والاصطفاء الثاني إلَى ما اتفق لها في آخر عمرها، ثم فصل الإمام جهة الاصطفاء الأول
وجهة الاصطفاء الثاني تفصيلًا حاصله ما ذكره المص.