"ولقد أفلح جستنيان قبل الفتح الإسلامي بمائة عام فِي أن يكسب الإمبراطورية الرومانية مظهراً من مظاهر الوحدة. ولكن سرعان ما تصدعت بعد موته ، وأصبحت فِي حاجة ماسة إلى شعور قومي مشترك ، يربط بين الولايات وحاضرة الدولة. أما هرقل فقد بذل جهوداً لم تصادف نجاحاً كاملاً فِي إعادة ربط الشام بالحكومة المركزية. ولكن ما اتخذه من وسائل عامة فِي سبيل التوفيق قد أدى لسوء الحظ إلى زيادة الانقسام بدلاً من القضاء عليه. ولم يكن ثمة ما يقوم مقام الشعور بالقومية سوى العواطف الدينية. فحاول بتفسيره العقيدة تفسيراً يستعين به على تهدئة النفوس أن يقف ما يمكن أن يشجر بعد ذلك بين الطوائف المتناحرة من خصومات ؛ وأن يوحد بين الخارجين على الدين وبين الكنيسة الأرثوذكسية ، وبينهم وبين الحكومة المركزية.. وكان مجمع خلقيدونية قد أعلن فِي سنة 451 ميلادية أن المسيح ينبغي أن يعترف بأنه يتمثل فِي طبيعتين لا اختلاط بينهما ، ولا تغير ، ولا تجزؤ ، ولا انفصال. ولا يمكن أن ينتفي خلافهما بسبب اتحادهما. بل الأحرى أن تحتفظ كل طبيعة منهما بخصائصها ؛ وتجتمع فِي أقنوم واحد ، وجسد واحد. لا كما لو كانت متجزئة أو منفصلة فِي أقنومين. بل متجمعة فِي أقنوم واحد هو ذلك الابن والله والكلمة.. وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع ، وكانوا لا يعترفون فِي المسيح إلا بطبيعة واحدة. وقالوا: إنه مركب الأقانيم.. له كل الصفات الإلهية والبشرية ولكن المادة التي تحمل هذه الصفات لم تعد ثنائية بل أصبحت وحدة مركبة الأقانيم وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الأرثوذكس وبين اليعاقبة الذين ازدهروا بوجه خاص فِي مصر والشام والبلاد الخارجة عن نطاق الإمبراطورية البيزنطية ، فِي الوقت الذي سعى فيه هرقل فِي إصلاح ذات البين عن طريق المذهب القائل بأن للمسيح مشيئة واحدة."