وَلَيْسَتْ يَدٌ أَوْلَيْتَهَا بِغَنِيمَةٍ ... إذَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ تُعِدَّ لَهَا شُكْرَا
غِنَى الْمَرْءِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ ... فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرَا
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَرِيمَ يُجْتَدَى بِالْكَرَامَةِ وَاللُّطْفِ، وَاللَّئِيمُ يَجْتَدِي بِالْمَهَانَةِ وَالْعُنْفِ، فَلَا يَجُودُ إلَّا خَوْفًا، وَلَا يُجِيبُ إلَّا عُنْفًا، كَمَا قَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
رَأَيْتُك مِثْلَ الْجَوْزِ يَمْنَعُ لُبَّهُ ... صَحِيحًا وَيُعْطِي خَيْرَهُ حِينَ يُكْسَرُ
فَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ الْمَهَانَةُ طَرِيقًا إلَى اجْتِدَائِك، وَالْخَوْفُ سَبِيلًا إلَى إعْطَائِك، فَيَجْرِي عَلَيْك سَفَهُ الطَّعَامِ، وَامْتِهَانُ اللِّئَامِ، وَلْيَكُنْ جُودُك كَرْمًا وَرَغْبَةً، لَا لُؤْمًا وَرَهْبَةً، كَيْ لَا يَكُونَ مَعَ الْوَصْمَةِ، كَمَا قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ:
صِرْتُ كَأَنِّي ذُبَالَةٌ نُصِبَتْ ... تُضِيءُ لِلنَّاسِ وَهِيَ تَحْتَرِقُ انتهى انتهى {أدب الدنيا والدين، للماوردي} ...