الرابع: أنه متعلِّقٌ بقوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} وفي هذا نظرٌ ؛ من حيث إنه يلزم فيه الفصل بين فعل الشرط وبين معموله بجملة الجواب ، فيصير نظير قولك: مَنْ يُكْرِمْ أُحْسِنْ إليه زيداً. وقد صرَّح الواحديُّ بالمنع من ذلك ، معلِّلاً بما ذكرناه ، فقال: وَلاَ يجوزُ أن يكون العاملُ فِي هذه اللام"تنفقوا"الأخير فِي الآية المتقدمة الكريمة ؛ لأنه لا يفصل بين العامل ، والمعمول بما ليس منه ، كما لا يجوز:"كانَتْ زَيْداً الحُمَّى تأخُذُ".
الخامس: أنَّ"للفقراء"بدلٌ من قوله:"فلأَنْفُسِكُمْ"، وهذا مردودٌ ؛ قال الواحدي ، وغيره:"لأنَّ الإنفاق من حيث هو واصلٌ إليهم ، وليس من باب {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] ؛ لأنَّ الأمر لازمٌ للمستطيع خاصةً"قال شهاب الدين رحمه الله تعالى: يعني أنَّ الفقراء ليست هي الأنفس ، ولا جزاءً منها ، ولا مشتملةً عليها ، وكأن القائل بذلك توهَّم أنه من باب قوله تعالى: {وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] فِي أحد التأويلين.
قوله: {فِي سَبِيلِ} فِي هذا الجار وجهان:
أحدهما: أن يتعلَّق بالفعل قبله ؛ فيكون ظرفاً له.
والثاني: أن يكون متعلِّقاً بمحذوف على أنه حال من مرفوع"أُحصروا"، أي: مستقرين فِي سبيل الله. وقدَّره أبو البقاء بمجاهدين فِي سبيل الله ، فهو تفسير معنًى لا إعراب ؛ لأنَّ الجارَّ لا يتعلَّق إلا بالكون المطلق.
قوله تعالى: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرض} فِي هذه الجملة احتمالان:
أظهرهما: أنها حالٌ ، وفي صاحبها وجهان:
أحدهما: أنه"الفقراء"، وثانيهما: أنه مرفوع"أُحْصِرُوا".