روي أن أحمد ابن حنبل خرج ذات يوم إلى شارع باب الشام فاشترى دقيقاً ولم يكن في ذلك الموضع من يحمله فوافى أيوب الحمال فحمله ودفع إليه أحمد أجرته، فلما دخل الدار بعد إذنه له اتفق أن أهل الدار قد خبزوا ما كان عندهم من الدقيق وتركوا الخبز على السرير ينشف فرآه أيوب وكان يصوم الدهر، فقال أحمد لابنه صالح ادفع إلى أيوب من الخبز فدفع له رغيفين فردهما، قال أحمد: ضعهما ثم صبر قليلاً ثم قال خذهما فالحقه بهما فلحقه فأخذهما فرجع صالح متعجباً فقال له أحمد: عجبت من رده وأخذه؟ قال نعم، قال هذا رجل صالح فرأى الخبز فاستشرفت نفسه إليه فلما أعطيناه مع الاستشراف رده ثم أيس فرددناه إليه بعد الإياس فقبل.
هذا حال أرباب الصدق إن سألوا سألوا بعلم وإن أمسكوا عن السؤال أمسكوا بحال، وإن قبلوا قبلوا بعلم فمن لم يرزق حال الفتوح فله حال السؤال والكسب بشرط العلم فأما السائل مستكثراً فوق الحاجة لا في وقت الضرورة فليس من الصوفية بشيء. سمع عمر رضي الله عنه سائلاً يسأل فقال لمن عنده ألم أقل لك عشِّ السائل؟ فقال: قد عشيته؛ فنظر عمر فإذا تحت إبطه مخلاة مملوءة خبزاً؛ فقال عمر: ألك عيال؟ فقال: لا، فقال عمر: لست بسائل ولكنك تاجر، ثم نثر مخلاته بين يدي أهل الصدقة وضربه بالدرة.
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن لله تعالى في خلقه مثوبات فقر وعقوبات فقر، فمن علامة الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن خلقه ويطيع ربه ولا يشكو حاله ويشكر الله تعالى على فقره، ومن علامة الفقر إذا كان عقوبة أن يسوء خلقه ويعصي ربه ويكثر الشكاية ويتسخط للقضاء فحال الصوفية حسن الأدب في السؤال، والفتوح والصدق مع الله على كل حال كيف تقلب. انتهى انتهى {عوارف المعارف، للسُّهْرَوَرْدي} ...