فإن قال: الإسلام حق لم يكن مسلماً لأن الإقرار بالحق غير إعظامه، وقد تقدمه من يحبسه ولا يرقبه ويؤخذ في هذا وفي قوله «أنا بريء من اليهودية أو النصرانية» بأن يسلم، فإن أسلم وإلا قتل، وإن كان كافراً: أسلمت أو آمنت ولم يزد على هذا لم يكن مسلماً ولا مؤمناً كرجل يقول: خلقت أو أقسمت فلا يكون خالياً.
فإن قيل لملي: أسلم! فقال: أنا مسلم، لم يكن بهذا إقرار بالإسلام، لأنه يسمي دينه الذي هو فيه إسلاماً، ولم يزل الإسلام اسماً للمثبت الموحد.
قال الله عز وجل: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .
وقال: {إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ} .
وقال: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} أن يكونوا.
والآن إذ كنتم معنى قوله: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} ، فإن كان هذا وهكذا، فقد سمى نفسه أيضاً مسلماً وجميع ذريته الموحدين مسلمين.
فإن قال آخر من أولاده المتمسكين بملة من الملل المتقدمة: إني مسلم، فلذلك محمول منه على أنه سمى دينه إسلاماً، لا على أنه انتقل من غير الإسلام إلى الإسلام.
وإن قيل لمعطل أسلم، فقال: أنا مسلم، وأنا من المسلمين، كان هذا منه إقراراً بالإسلام، لأن الإسلام اسم الدين وإذا أقر به فقد أقر بالدين بعد أن لم يكن له دين أصلاً، إذ المسلم اسم لمتدين معلوم، والمسلمون اسم لمتدينين معروفين.
فإذا أقر بأنه منهم أخذ بإقراره.
وأما إذا قال: أسلمت ولم يقل لله، فإن كان ذلك في موضع العقد لم يكن مسلماً حتى يقول: أسلمت لله.
وإن كان لي وجه الإقرار أجراه قبل منه كما أن رجلاً لو قيل له: ما فعلت بابنتك؟ فقال: زوجتها.
أو: ما فعلت بأمتك؟ قال: بعتها، كان هذا جارياً في هذا الموضع ولا يجري في موضع العقد.
وهكذا إن قال المعطل: أنا من المسلمين، وهو يريد العقد لا الخبر لم يتم إسلامه إلا بأن يقول لله، والعقد مقارن للخبر كما يتنبه.