قال الحرالي: ففيه كمال تسنن محمد صلى الله عليه وسلم فِي ملته بملة إبراهيم عليه السلام الذي هو الأول لمناسبة ما بين الأول والآخر ، وقد ذكر أن الملة ما أظهره نور العقل من الهدى فِي ظلم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا ، فكان أتم ما أبداه نور العقل ملة إبراهيم {حنيفاً} أي ليناً هشاً سهلاً قابلاً للاستقامة مائلاً مع داعي الحق منقاداً له مسلماً أمره إليه ، لا يتوجه إليه شيء من العشاوة والكثافة والغلظة والجمود التي يلزم منها العصيان والشماخة والطغيان ، وذلك لأن مادة حنف بكل ترتيب تدور على الخفة واللطافة ، ويشبه أن تكون الحقيقة الأولى منها النحافة ، ويلزم هذا المعنى الانتشار والضمور والميل ، فيلزمه سهولة الانقياد والاستقامة ، ويكشفه آية آل عمران
{ولكن كان حنيفاً مسلماً} [آل عمران: 67] فبذلك حاد عن بنيات طرق الخلق فِي انحرافهم عن جادة طريق الإسلام.
وقال الحرالي: الحنيف المائل عن متغير ما عليه الناس عادة إلى ما تقتضيه الفطرة حنان قلب إلى صدق حسه الباطن.