في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ}
حكى القرطبي في معنى الفتنة هنا معنيين:
الأول: التحريق كما في قوله: {إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات} [البروج: 10] .
والثاني: الابتلاء. وقد تقدم للشيخ مراراً في كتابه ودروسه، أن أصل الفتنة الاختبار.
تقول: اختبرت الذهب إذا أدخلته النار لتعرف زيفه من خالصه.
ولكن السياق يدل على الثانين وهو الاختبار والابتلاء لقوله تعالى: {وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً} .
وقوله: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودُ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} أي عددهم، فلو كان المراد التحريق والوعيد بالنار، لما كان مجال لتساؤل الذين في قلوبهم مرض والكافرين عن هذا المثل ولما كان يصلح أن يجعل مثلاً، ولما كان الحديث عن عدد جنود: ربك بحال، وفي هذه الآية الكريمة عدة مسائل هامة.
الأولى: جعل المثل المذكور، أي جعل العدد المعين فتنة لتوجه السؤال أو مقابلته بالإذعان، فقد تساءل المستبعدون واستسلم وأذعن المؤمنون، كما ذكر تعالى في صريح قوله: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً} [البقرة: 26] .
ثم بين تعالى الغرض من ذلك طبق ما جاء في الآية هنا {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين} [البقرة: 26] ، فهذه الآية من سورة البقرة مبينة تماماً لآية المدثر.