وأمام هذا الموقف المهين الميئوس منه في الآخرة , يردهم إلى موقفهم في الفرصة المتاحة لهم في الأرض قبل مواجهة ذلك الموقف ; وهم يصدون عنها ويعرضون , بل يفرون من الهدى والخير ووسائل النجاة المعروضة عليهم فيها , ويرسم لهم صورة مضحكة تثير السخرية والعجب من أمرهم الغريب:
(فما لهم عن التذكرة معرضين ? كأنهم حمر مستنفرة , فرت من قسورة ?) . .
ومشهد حمر الوحش وهي مستنفره تفر في كل اتجاه , حين تسمع زئير الأسد وتخشاه . . مشهد يعرفه العرب . وهو مشهد عنيف الحركة . مضحك أشد الضحك حين يشبه به الآدميون ! حين يخافون ! فكيف إذا كانوا إنما ينفرون هذا النفار الذي يتحولون به من آدميين إلى حمر , لا لأنهم خائفون مهددون بل لأن مذكرا يذكرهم بربهم وبمصيرهم , ويمهد لهم الفرصة ليتقوا ذلك الموقف الزري المهين , وذلك المصير العصيب الأليم ?!
إنها الريشة المبدعة ترسم هذا المشهد وتسجله في صلب الكون , تتملاه النفوس , فتخجل وتستنكف أن تكون فيه , ويروح النافرون المعرضون أنفسهم يتوارون من الخجل , ويطامنون من الإعراض والنفار , مخافة هذا التصوير الحي العنيف !
الدرس الثامن:52 - 55 تحليل نفسيات الكفار الرافضة للحق
تلك هيئتهم الخارجية . (حمر مستنفرة , فرت من قسورة) ثم لا يدعهم حتى يرسم نفوسهم من الداخل , وما يعتلج فيها من المشاعر:
(بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة) . .
فهو الحسد للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن يختاره الله ويوحي إليه ; والرغبة الملحة أن ينال كل منهم هذه
من الآية 53 إلى الآية 55
كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (55)