المنزلة , وأن يؤتى صحفا تنشر على الناس وتعلن . . ولا بد أن الإشارة هنا كانت بصدد الكبراء الذين شق عليهم أن يتخطاهم الوحي إلى محمد بن عبد الله , فقالوا: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ?) . . ولقد علم الله أين يضع رسالته واختار لها ذلك الإنسان الكريم الكبير العظيم . فكان الحنق الذي يغلي في الصدور , والذي يكشف عنه القرآن , وهو يعلل ذلك الشماس والنفار !
ثم يستمر في رسم صورة النفوس من داخلها , فيضرب عما ذكره من ذلك الطمع والحسد , ويذكر سببا آخر للإعراض والجحود . وهو يردع في نفوسهم ذلك الطمع الذي لا يستند إلى سبب من صلاح ولا من استعداد لتلقي وحي الله وفضله:
(كلا ! بل لا يخافون الآخرة) . .
وعدم خوفهم من الآخرة هو الذي ينأى بهم عن التذكرة , وينفرهم من الدعوة هذه النفرة . ولو استشعرت قلوبهم حقيقة الآخرة لكان لهم شأن غير هذا الشأن المريب !
ثم يردعهم مرة أخرى , وهو يلقي إليهم بالكلمة الآخيرة , ويدعهم لما يختارون لأنفسهم من طريق ومصير:
(كلا ! إنه تذكرة . فمن شاء ذكره) . .
إنه , هذا القرآن الذي يعرضون عن سماعه , وينفرون كالحمر , وهم يضمرون في أنفسهم الحسد لمحمد , والاستهتار بالآخرة . . إنه تذكرة تنبه وتذكر . فمن شاء فليذكر . ومن لم يشأ فهو وشأنه , وهو ومصيره , وهو وما يختار من جنة وكرامة , أو من سقر ومهانة . .
الدرس التاسع:56 الهداية بيد الله يهبها لمن يريدها
وبعد أن يثبت مشيئتهم في اختيار الطريق يعقب بطلاقة المشيئة الإلهية , وعودة الأمور إليها في النهاية . وهي الحقيقة التي يحرص القرآن على تقريرها في كل مناسبة لتصحيح التصور الإيماني من ناحية طلاقة المشيئة الإلهية وشمولها الكامل الأخير , وراء جميع الأحداث والأمور:
(وما يذكرون إلا أن يشاء الله , هو أهل التقوى وأهل المغفرة) . .