قال مقاتل: وذلك حين قال كفار مكة: إن محمدًا مجنون، فأقسم الله بالحوت وبالقلم وبأعمال بني آدم، فقال: {مَآ أنَتَ} يا محمد {بِنِعْمَتِ رَبِّك} ، يعني برحمة ربك {بِمَجنُونٍ} ، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة.
3 -قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ} أكثر المفسرين وأهل المعاني يقولون: غير منقوض ولا مقطوع، يقال: منَّهُ السير، أي أضعفه. والمنين: الضعيف، ومنَّ الشيء إذا قطعه، ومنه قول لبيد:
غبس كواسبُ ما يمنُّ طعامها
يصف كلابًا ضارية. وقال مجاهد: غير محسوب. وهو المن الذي يريد به الاعتداد. وهو معنى قول مقاتل: لا يمن به عليك.
وقال الكلبي: غير مكدر عليك في الجنة. والقول هو الأول. والمعنى: إن لك لأجرًا يصبرك على بهتهم وافترآتهم عليك، وقولهم: إنك مجنون: غير ممنون.
4 -ثم مدحه مع وعد الأجر بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد دين عظيم، لم أخلق من الأديان أحب ولا أرضى عندي منهن اختصصتك به واصطفيته لك ولأمتك. ونحو هذا قال الكلبي: على دين عظيم. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والسدي، وأبي مالك، وابن زيد بن أسلم وجماعة؛ قالوا: يعني الإسلام والدين.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني القرآن؛ وهو قول الحسن والعوفي قالا: يعني أدب القرآن.
ويدل على هذا ما روي أن عائشة سئلت عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كان خلقه القرآن.
وفسره قتادة فقال: ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله. واختاره الزجاج فقال: المعنى إنك على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن. ومعنى الخلق في اللغة: العادة. ذكرنا ذلك في قوله:
{إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 137] .
وقال ابن الأعرابي: الخلق: الدين، وسمي خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عظيمًا لعظم قدره وجلالة محله عند الله تعالى.