والقراء مختلفون في إظهار النون وإخفائه من قوله {ن * وَالْقَلَمِ} ، فمن أظهرها فلأنه ينوي بها الوقف بدلالة اجتماع الساكنين فيها، وإذا كانت موقوفة كانت في تقدير الانفصال مما قبلها، وإذا انفصل مما قبلها وجب التبيين، لأنها إنما تخفى في حروف الفم عند الاتصال. ووجه الإخفاء أن همزة الوصل لم تقطع مع هذه الحروف في نحو {الم} ، وقولهم في العدد: واحد، اثنان. فمن حيث لم تقطع الهمزة معها علمت أنه في تقدير الوصل، وإذا وصلتها أخفيت النون. وقد ذكرنا هذا في قوله: {ص * وَالْقُرْآنِ} [ص: 1] و {يس (1) وَالْقُرْآنِ} [يس: 1 - 2] قال الفراء: وإظهارها أعجب إلي، لأنها هجاء، والهجاء كالوقوف وإن اتصل.
قوله تعالى: {وَالْقَلَمِ} قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى أن تقوم الساعة قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض. وهذا قوله في رواية أبي الضحى، وأبي ظبيان، وأبي صالح، ومقسم.
وروى مجاهد عنه قال: كان أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب القدر. قال: فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.
وهذا قول جميع المفسرين. قالوا: هو القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ. قوله: {وَمَا يَسْطُرُونَ} . قالوا: يعني وما تكتب الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم.
2 -قوله تعالى: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} قال أبو إسحاق: {أَنْتَ} هو اسم {مَآ} و {بِمَجْنُونٍ} الخبر، و {بِنِعْمَةِ رَبِّك} موصولة بمعنى النفي. انتفى عنك الجنون بنعمة ربك كما تقول: أنت بنعمة الله فَهِمٌ، وما أنت بنعمة الله بجاهل. وتأويله: فارقك الجهل بنعمة ربك. وهذا جواب لقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6] .