17 -ثم انتقل سبحانه من التهديد بهذا إلى التهديد بوجه آخر، فقال: {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} أم منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري، أضرب بها عن التهديد بما سبق إلى التهديد بأمر آخر؛ أي: بل هل أمنتم الإله الذي في السماء أن يرسل وينزل عليكم أيها المشركون حاصبًا؛ أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوطٍ وأصحاب الفيل؛ أي: أم أمنتم من في السماء إرساله عليكم حاصبًا على أن قوله: {أَنْ يُرْسِلَ} بدل اشتمال من {مَنْ} أيضًا.
والمعنى: هل جعل لكم من هذين أمان، وإذ لا أمان لكم، فما معنى تماديكم في شرككم {فَسَتَعْلَمُونَ} عن قريب ألبتة {كَيْفَ نَذِيرِ} ؛ أي: كيف كان إنذاري بالعذاب عند مشاهدتكم للمنذر به أهو واقع أم لا أم شديد أم ضعيف؟!
يعني: حين حقَّقْتم المنذر به تعلمون أنه لا خلف لخبري، وأنّ عذابي لشديد، وأنه لا دافع له، ولكن لا ينفعكم العلم حينئذٍ. فالنذير وكذا النكير الآتي مصدران بمعنى الإنذار والإنكار، وأصلهما: نذيري ونكيري بياء الإضافة، فحذفت اكتفاء بكسر ما قبلها، قال في"برهان القرآن": خوفهم بالخسف أوّلًا لكونهم على الأرض، وأنها أقرب إليهم من السماء ثم بالحاصب من السماء، فلذلك جاء ثانيًا.
وقال القاضي في"كشف ما التبس من القرآن": هذه الآية ليست تكرارًا مع الآية التي قبلها؛ لأنَّ الأولى في تخويفهم بخسف الأرض بهم، والثانية في تخويفهم بالحصب من السماء، وقدم الأولى؛ لأن الأرض التي جعلها الله مقرًّا لهم وعبدوا فيها غيره تعالى أقرب إليهم من السماء البعيدة عنهم.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف قال: {مَنْ فِي السَّمَاءِ} ؟ مع أنّه تعالى ليس فيها ولا في غيرها؟ بل هو تعالى منزه عن كل مكان.
قلت: المعنى: مَن ملكوته في السماء التي هي مسكن ملائكته ومحل عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ والقلم، ومنه تنزل أقضيه كتبه. انتهى.
وأثبت: ورش ياء (نذيري) و (نكيري) ، وحذفها باقي السبعة. والمعنى أي: بل أأمنتم أن يرسل عليكم ريحًا فيها حصباء حجارة صغار كما فعل بقوم لوط، وحينئذٍ تعلمون كيف يكون عقابي إذا شاهدتموه، ولكن لا ينفعكم العلم حينئذٍ.