وتكلم صاحب النظم في هذه الآية فقال: قوله: {أَلَا يَعْلَمُ} استفهام إنكار لما يذهب إليه الكفار والجهال من أنه تخفى عليه الضمائر. واختلف في قوله (مَنْ) ، فزعم بعضهم أنه هو الله جل وعز على تأويل: ألا يعلم الخالق الذي خلق الخلق، فيكون (مَنْ) في موضع رفع. وزعم غيره أن (مَنْ) في موضع نصب، وقوله: (يعلم) واقع عليه على تأويل: ألا يعلم الله من خلقه؛ بمعنى يعلم ما كان ويكون منه سرًا وجهرًا وإضمارًا، وزاد وجهًا آخر فقال: وزعم بعضهم أن (مَنْ) بمثابة (ما) ، كما تكون (ما) بمثابة (من) في قوله: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] ، وإذا كان بمعنى (ما) كان اسمًا لما يسر الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، فيكون قد جعل أفعال العباد مخلوقة على تأويل: ألا يعلم الله ما هو خلقه من أفعالهم، وإن كان سرًّا أو إضمارًا فيكون ذلك حجة لمن أثبت القدر، لأنه جعله مخلوقًا.
قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا} ، الذلول من كل شيء: المنقاد الذي يذل لك. ومصدره الذل، وهو الانقياد واللين، ومنه يقال: دابة ذلول؛ وفي وصف الأرض بالذلول قولان:
أحدهما: قال ابن عباس: سهل لكم الأرض. والمعنى على هذا أنه لم يجعلها بحيث يمتنع المشيء فيها بالحزونة والغلظ.
وقال مقاتل: أثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها. وهو قول الكلبي. وعلى هذا القول معناه أنه سخرها لنا بأن أثبتها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لم تكن منقادة لنا.
قوله: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} أمر إباحة. ومعناه البيان عن كونها ذلولًا. وفي المناكب قولان:
أحدهما: أنها الجبال، وهو قول قتادة والضحاك وابن عباس. قالوا: جبالها وآكامها. وسميت الجبال مناكب، لأنها مشبهة بمناكب الإنسان وهو الجيد الشاخص من طرفيه. والجبال شاخصة عن الأرض.