فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 432511 من 466147

فالجواب - وبالله التوفيق - أن ما يقال لهذا القائل: وما الذي يلجيء إلى هذا التأويل؟ ويمنع أن يكون في الجنة مآكل ومشارب وملبس ومنكح.

فإنا لا نجد في عقولنا لامتناع هذه الأمور وجهاً: قال: إن الذي يلجئ إليه أن النفوس هي الصائرة إلى الآخرة دون الأجساد.

قيل: وما الذي يمنع من إصارة الأجساد إلى الآخرة وتخيله فلا نجد على ذلك دلالة، وإنما يفرغ في دعواه إلى أن ذلك يبعد في وهمه، وليس كل ما بعد من الوهم لم يكن على أن ذلك قريب من وهم غيره حتى إنه لمتسلط على نفسه، فيقطع بأنه هو الأمر الذي لا يجوز غيره.

وقد كتبنا في هذا الباب ما نرجو أن تقع به الكفاية، ويقال له: إن البعث إنما يكون للجزاء بالحسنات والسيئات؛ والنفوس لم تكتسب بانفرادها خيراً ولا شرا، وإنما كان التكسب مشتركاً بينها وبين الأجساد، فيجب أن يكون الجزاء مشتركاً بينهما وبين الأجساد سواء كان الكسب فعل شيء أو ترك شيء.

فإذا اجتمع النفس والبدن على التبع في الدنيا باتباع الشهوات الممنوعة، كانت الحكمة أن يؤلما جميعاً بأشد الآلام، وليكن ذلك إلا عذاب النار.

وإذا جرت في الدنيا من مطامع وملابس ومناكح كان يشبهها من جنس ما أحل الله له غير أنه لم يجدها فلم يتسخط قضاء الله تعالى لحبسها عنه وأحسن الظن به فيه أو من جنس ما حرم الله - تعالى جده - عليه فتركها أو صبر عنها جاهداً محتسباً، كان أولى ما يعوض عنه في الحكمة أن يوصل من جنسها إلى ما هو أسنى وأجزل وأعظم قدراً وأجل خطراً منها لتصل اللذة إلى ما وصل الألم إليه ويتنعم بالإصابة ما تأذى بالقوت.

ثم لا ينكر أن يصير إلى ذلك من غير هذه الأجناس أسباب يتمتع ويفرح ويتلذذ بها، ولكن ما يدخل في جملتها أشبه بمعاني الثواب.

ويبين ما قلنا أن إقامة العبادات في الدنيا لما كانت سبباً للتعب والنصب، وجب أن تكون الراحة عوضاً منها في الآخرة باتفاق.

فلذلك تخريج المرادات وقمع الشهوات في الدنيا لوجه الله تعالى يقتضي أن يكون التمكين من قضائها على وجه أفضل وأكمل عوضاً منها في الآخرة، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت