فذكروا بأرفع الذكرين، ولما لم يكن من أهل الجنة بعدهم إلا من لم يكن لهم مثل فضيلتهم، فيذكروا معهم قيل لهم أصحاب اليمين أي الباقون بعد السابقين من أصحاب اليمين والله أعلم.
والسابقون هم المتسارعون إلى الطاعات من أتباع الأنبياء صلوات الله عليهم، وتصديقهم ونصرهم على أعدائهم، وما يتبع ذلك من أوامر الله جل ثناؤه وغير متباطئين عنها ولا مستغلين لها أو لا متطلبين للأعذار والعلل للأخذ بالهوينى فيها، فإن جزاءهم عند الله أن يجعلهم سابقين إلى جنته والنعيم التي أعد فيها لأهل رضوانه، وتقدمهم على غيرهم، كما قدموا في الدنيا طاعته على أهوائهم، وتركوا أهلها أراد بهم.
ولما وصف الله تعالى بعض نعيم الجنان أشار إلى الفرق بين الجنتين اللتين ذكر أنهما لمن خاف مقام ربه وبين الجنتين ومن دونهما فقال في الأوليين: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} وفي الآخريين: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} أي فوارتان، ولكنهما ليستا كالجارتين لأن النضخ دون الجري.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «جنتان من ذهب للمقربين، أو قال للسابقين وجنتان من ورق لأصحاب اليمين» فقال في الأوليين: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} فعم ولم يخص.
وقال في الآخريين: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} ولم يقل من كل فاكهة وقال في الأوليين: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} وهو الديباج.
وفي الأخريين {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} والعبقري الوشي.
ولا شك أن الديباج أغلى من الوشي، والرفرف كثير الخباء، ولا شك أن الفرش المفردة للإتكاء عليها أفضل من فضل الخباء.
وفي الأولييين في صفة الحور العين: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} .
وفي الآخريين: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} .
وليس كل حسن بحسن الياقوت والمرجان.
وقال في الأوليين: {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} وقال في الآخريين: {مُدْهَآمَّتَانِ} أو خضراوتان، كأنهن من شدة خضرتها سوداوان.
فوصفت الأوليين بكثرة الأغصان، والآخريين بالخضرة وحدها.
وفي هذا كله إشارة إلى تحقيق المعنى الذي قصد بقوله: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} ولعل ما يذكر من تفاوت ما بينهما أكثر مما ذكر.
فإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين كما ذكر أهل الجنتين الأوليين؟
قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه، إلا أن الخائفين لهم مراتب.