فَإِن الْبَاعِث على هَذِه الأفعال إِمَّا ديني وَهُوَ رَجَاء عَاقبَتهَا الحميدة.
وَإِمَّا دُنْيَوِيّ علوي وَهُوَ حَيَاء فاعلها من الْخلق.
قد تبين أنه لَوْلَا الْحيَاء إِمَّا من الْخَالِق أوْ من الْخَلَائق لم يَفْعَلهَا صَاحبهَا
وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره مَرْفُوعا
"اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء"
قَالُوا وَمَا حق الْحيَاء؟
قَالَ"أن تحفظ الرأس وَمَا حوى والبطن وَمَا وعى وتذكر الْمَقَابِر والبلى"
وَقَالَ:"إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت"
وَأَصَح الْقَوْلَيْنِ فِيهِ قَول أبي عبيد والأكثرين أنه تهديد كَقوله تَعَالَى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُم} وَقَوله {كلوا وتمتعوا قَلِيلا}
وَقَالَت طَائِفَة هُوَ إِذن وَإِبَاحَة وَالْمعْنَى إِنَّك إذا اردت أن تفعل فعلا فَانْظُر قبل فعله فَإِن كَانَ مِمَّا يستحيا فِيهِ من الله وَمن النَّاس فَلَا تَفْعَلهُ وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يستحيا مِنْهُ فافعله فَإِنَّهُ لَيْسَ بقبيح وَعِنْدِي أن هَذَا الْكَلَام صُورَة صرة الطّلب وَمَعْنَاهُ معنى الْخَبَر وَهُوَ فِي قُوَّة قَوْلهم من لَا يستحى صنع مَا يشتهى فَلَيْسَ بِإِذن وَلَا هُوَ مُجَرّد تهديد وَإِنَّمَا هُوَ فِي معنى الْخَبَر وَالْمعْنَى أن الرادع عَن الْقَبِيح إِنَّمَا هُوَ الْحيَاء فَمن لم يستح فَإِنَّهُ يصنع ماشاء وَإِخْرَاج هَذَا الْمَعْنى فِي صِيغَة الطّلب لنكته بديعة جدا وَهِي أن للإنسان آمرين وزاجرين آمروزاجر من جِهَة الْحيَاء فَإِذا اطاعه امْتنع من فعل كل مَا يَشْتَهِي وَله آمُر وزاجر من جِهَة الْهوى والطبيعة فَمن لم يطع آمُر الْحيَاء وزاجره أطاع آمُر الْهوى والشهوة وَلَا بُد فإخراج الْكَلَام فِي قالب الطّلب يتَضَمَّن هَذَا الْمَعْنى دون أن يُقَال من لَا يستحي صنع مَا يَشْتَهِي.
(تَنْبِيه)
ثمَّ تَأمل نعْمَة الله على الإنسان بالبيانين الْبَيَان النطقي وَالْبَيَان الخطي وَقد اعْتد بهما سُبْحَانَهُ فِي جملَة من اعْتد بِهِ من نعمه على العَبْد فَقَالَ فِي أول سُورَة انزلت على رَسُول الله {اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم}