(فصل)
ثمَّ تَأمل لم صَارَت الْمَرْأَة وَالرجل إِذا أدركا اشْتَركَا فِي نَبَات الْعَانَة ثمَّ ينْفَرد الرجل عَن الْمَرْأَة باللحية فَإِن الله عز وَجل لما جعل الرجل قيمًا على الْمَرْأَة وَجعلهَا كالخول لَهُ والعاني فِي يَدَيْهِ ميزه عَلَيْهَا بِمَا فِيهِ لَهُ المهانة والعز وَالْوَقار وَالْجَلالَة لكماله وَحَاجته إلى ذَلِك ومنعتها الْمَرْأَة لكَمَال الِاسْتِمْتَاع بهَا والتلذذ لتبقى نضارة وَجههَا وَحسنه لَا يشينه الشّعْر واشتراكا فِي سَائِر الشُّعُور للحكمة وَالْمَنْفَعَة الَّتِي فِيهَا.
(فصل)
ثمَّ تَأمل هَذَا الصَّوْت الْخَارِج من الْحلق وتهيئة آلاته وَالْكَلَام وانتظامه والحروف ومخارجها وأدواتها ومقاطعها وأجراسها تَجِد الْحِكْمَة الباهرة فِي هَوَاء ساذج يخرج من الْجوف فيسلك فِي أنبوبة الحنجرة حَتَّى يَنْتَهِي إلى الْحلق وَاللِّسَان والشفتين والأسنان فَيحدث لَهُ هُنَاكَ مقاطع ونهايات وأجراس يسمع لَهُ عِنْد كل مقطع وَنِهَايَة جرس مُبين مُنْفَصِل عَن الآخر يحدث بِسَبَبِهِ الْحَرْف فَهُوَ صَوت وَاحِد ساذج يجري فِي قَصَبَة وَاحِدَة حَتَّى يَنْتَهِي إلى مقاطع وحدود تسمع لَهُ مِنْهَا تِسْعَة وَعشْرين حرفا يَدُور عَلَيْهَا الْكَلَام كُله أمره وَنَهْيه وَخَبره واستخباره ونظمه ونثرة وخطبه ومواعظه وفضوله فَمِنْهُ المضحك وَمِنْه المبكي وَمِنْه المؤيس وَمِنْه المطمع وَمِنْه الْمخوف وَمِنْه المرجي والمسلى والمحزن والقابض للنَّفس والجوارح والمنشط لَهَا وَالَّذِي يسقم الصَّحِيح وَيُبرئ السقيم وَمِنْه مَا يزِيل النعم وَيحل النقم وَمِنْه مَا يستدفع بِهِ الْبلَاء ويستجلب بِهِ النعماء وتستمال بِهِ الْقُلُوب ويؤلف بِهِ بَين المتباغضين ويوالي بِهِ بَين المتعاديين وَمِنْه مَا هُوَ بضد ذَلِك وَمِنْه الْكَلِمَة الَّتِي لَا يلقى لَهَا صَاحبهَا بَالا يهوى بهَا فِي النَّار ابعد مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب والكلمة الَّتِي لَا يلقى لَهَا بَالا صَاحبهَا يرْكض بهَا فِي أعلا عليين فِي جوَار رب الْعَالمين.