وَقَالَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: مَا الْإِنْسَانُ لَوْلَا اللِّسَانُ هَلْ إلَّا بَهِيمَةٌ مُهْمَلَةٌ أَوْ صُورَةٌ مُمَثَّلَةٌ؟ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: اللِّسَانُ وَزِيرُ الْإِنْسَانِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: كَلَامُ الْمَرِيدِ وَافِدُ أَدَبِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: يُسْتَدَلُّ عَلَى عَقْلِ الرَّجُلِ بِقَوْلِهِ، وَعَلَى أَصْلِهِ بِفِعْلِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
وَإِنَّ لِسَانَ الْمَرْءِ مَا لَمْ تَكُنْ لَهُ ... حَصَاةٌ عَلَى عَوْرَاتِهِ لَدَلِيلُ
وَلَيْسَ يَصِحُّ اخْتِيَارُ الْكَلَامِ لَا لِمَنْ أَخَذَ نَفْسَهُ بِالْبَلَاغَةِ، وَكَلَّفَهَا لُزُومَ الْفَصَاحَةِ، حَتَّى يَصِيرَ مُتَدَرِّبًا بِهَا مُعْتَادًا لَهَا، فَلَا يَأْتِيَ بِكَلَامٍ مُسْتَكْرَهِ اللَّفْظِ وَلَا مُخْتَلِّ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْبَلَاغَةَ لَيْسَتْ عَلَى مَعَانٍ مُفْرَدَةٍ وَلَا لِأَلْفَاظِهَا غَايَةٌ، وَإِنَّمَا الْبَلَاغَةُ أَنْ تَكُونَ بِالْمَعَانِي الصَّحِيحَةِ مُسْتَوْدَعَةٌ فِي أَلْفَاظٍ فَصَيْحَةٍ.
فَتَكُونُ فَصَاحَةُ الْأَلْفَاظِ مَعَ صِحَّةِ الْمَعَانِي هِيَ الْبَلَاغَةُ.
وَقَدْ قِيلَ لِلْيُونَانِيِّ؛ مَا الْبَلَاغَةُ؟ قَالَ: اخْتِيَارُ الْكَلَامِ وَتَصْحِيحُ الْأَقْسَامِ.
وَقِيلَ ذَلِكَ لِلرُّومِيِّ، فَقَالَ: حَسَنُ الِاخْتِصَارِ عِنْدَ الْبَدِيهَةِ وَالْغَزَارَةُ يَوْمَ الْإِطَالَةِ.
وَقِيلَ لِلْهِنْدِيِّ فَقَالَ: مَعْرِفَةُ الْفَصْلِ مِنْ الْوَصْلِ.
وَقِيلَ لِلْعَرَبِيِّ فَقَالَ: مَا حَسُنَ إيجَازُهُ وَقَلَّ مَجَازُهُ.
وَقِيلَ لِلْبَدْوِيِّ فَقَالَ: مَا دُونَ السَّحَرِ وَفَوْقَ الشِّعْرِ، يَفُتُّ الْخَرْدَلَ وَيَحُطُّ الْجَنْدَلَ.
وَقِيلَ لِلْحَضَرِيِّ فَقَالَ: مَا كَثُرَ إعْجَازُهُ وَتَنَاسَبَتْ صُدُورُهُ وَأَعْجَازُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: الْبَلَاغَةُ قِلَّةُ الْحَصْرِ وَالْجَرَاءَةُ عَلَى الْبَشَرِ.
وَسَأَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الْقَرْيَةِ عَنْ الْإِيجَازِ قَالَ: أَنْ تَقُولَ فَلَا تُبْطِئَ وَأَن تُصِيبَ فَلَا تُخْطِئَ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
خَيْرُ الْكَلَامِ قَلِيلٌ ... عَلَى كَثِيرٍ دَلِيلُ
وَالْعِيُّ مَعْنًى قَصِيرٌ ... يَحُوبُهُ لَفْظٌ طَوِيلُ
وَفِي الْكَلَامِ فُضُولٌ ... وَفِيهِ قَالٌ وَقِيلُ