{حَفِيظُ} : أي محافظ على أوقاته ، (ويقال محافظ على حواسه في الله حافظ لأنفاسه مع الله) .
قوله جلّ ذكره: {مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقْلبٍ مُّنِيبٍ} .
الخشيةُ من الرحمنِ هي الخشية من الفراق (والخشية من الرحمن تكون مقرونة) بالأُنْس ؛ ولذلك لم يقل: من خشي الجبَّار ولا من خشي القهَّار"."
ويقال الخشية من الله تقتضي العلم بأنه يفعل ما يشاء وأنه لا يسْأَلُ عمَّا يفعل.
ويقال: الخشيةُ ألطفُ من الخوف ، وأنها قريبةٌ من الهيبة. (1)
{وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} : لم يقل بَنَفْسٍ مطيعة بل قال: بقلبٍ منيب ليكونَ للعصاةِ في هذا أملٌ ؛ لأنهم - وإن قَصَّروا بنفوسهم وليس لهم صِدْقُ القَدَمِ - فلهم الأسفُ بقلوبهم وصدق الندَّم.
قوله جلّ ذكره: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} .
أي يقال لهم: ادخلوها بسلامةٍ من كل آفةٍ ، ووجودِ رضوان ولا يسخطُ عليكم الحقُّ أبداً.
ومنهم مَنْ يقول له المَلَكُ: ادخلوها بسلامٍ ، ومنهم من يقوله له: لكم ما تشاؤون فيها - قال تعالى:
{لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} .
لم يقل:"لهم ما يسألون"بل قال: {لَهُمُ مَّا يَشَآءُونَ} : فكلُّ ما يخطر ببالهم فإنَّ سؤلَهم يتحقق لهم في الوَهْلة ، وإذا كانوا اليوم يقولون: ما يشاء الله فإنَّ لهم غداً منه الإحسان... وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
{وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} : اتفق أهل التفسير على أنه الرؤية ، والنظر إلى الله سبحانه (2) وقومٌ يقولون: المزيد على الثواب في الجنة - ولا منافاة بينهما.
قوله جلّ ذكره: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطَشاً فَنَقَّبُواْ فِى الْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ} .
أي عْتَبِروا بالذين تَقَدَّموكم ؛ انهمكوا في ضلالتهم ، وأَصَرُّوا ، ولم يُقْلِعوا.. فأهلكناهم وما أَبْقَيْنَا منهم أحداً.
(1) يقول الدقاق شيخ القشيري: هي مراتب: الخوف والخشية والهيبة: فالخوف من شرط الإيمان «وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» والخشية من شرط العلم: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» . والهيبة من شرط المعرفة:
«وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» . وقال أبو القاسم الحكيم: الخوف على ضربين: رهبة وخشية فصاحب الرهبة يلتجئ إلى الهرب إذا خاف وصاحب الخشية يلتجئ إلى الرب (الرسالة ص 65) .
(2) أجمعوا على أن اللّه تعالى يرى بالأبصار في الآخرة ، وأنه يراه المؤمنون دون الكافرين لأن ذلك كرامة من اللّه تعالى لقوله: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» . وجوزّوا الرؤية بالعقل وأوجبوها بالسمع وإنما جاز في العقل لأنه موجود ، وكل موجود تجوز رؤيته إذا وضع اللّه سبحانه فينا الرؤية له ، ولو لم تكن الرؤية جائزة عليه لكان سؤال موسى عليه السلام: «أرنى أنظر إليك» جهلا وكفرا. وجاء السمع بوجوبه في مثل: - «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» . و «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» .. وقوله «ص» .. «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته يوم القيامة» . وأجمعوا على أنه لا يرى في الدنيا بالأبصار ، ولكن بالقلوب لأن الدنيا دار فناء ولا يرى الباقي في الدار الفانية .. وهي على العموم رؤية بلا كيفية ولا إحاطة.