وقد تمسك جماعة من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ، بظاهر هذه الآية ، فقالوا إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة ، مع أنه جاء في آية أخرى ، ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة وهي قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] ، لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس ، بقوله {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 47] .
ويستأنس لهذا بقوله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطرف لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 56] فإنه يشير إلى أن في الجنة جناً يطمثون النساء كالإنس.
والجواب عن هذا ، أن آية الأحقاف ، نص فيها على الغفران ، والإجارة من العذاب ، ولم يتعرض فيها لدخول الجنة ، بنفي ولا إثبات ، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة ، لأنه تعالى قال فيها: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] .
وقد تقرر فِي الأصول أن الموصلات من صيغ العموم ، فقوله: {وَلِمَنْ خَافَ} ، يعم كل خائف مقام ربه ، ثم صرح بشمول ذلك الجن والإنس معاً بقوله:
{فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13 - 16 - 18 - 21 - 23] .
فبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه ، أي نعمه على الإنس والجن ، فلا تعارض بين الآيتين ، لأن إحداهما بينت ما لم تعرض له الأخرى.
ولو سلمنا أن قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ، يفهم منه عدم دخولهم الجنة ، فإنه إنما يدل عليه بالمفهوم ، وقوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13] يدل على دخولهم الجنة بعموم المنطوق.
والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر فِي الأصول.