منطوق هذه الآية أن من أجاب داعي الله محمداً صلى الله عليه وسلم وآمن به ، وبما جاء به ، من الحق غفر الله له ذنوبه. وأجاره من العذاب الأليم ، ومفهومها ، أعني مفهوم مخالفتها ، والمعروف بدليل الخطاب ، أن من لم يجب داعي الله من الجن ، ولم يؤمن به لم يغفر له ، ولم يرجه ، من عذاب أليم ، بل يعذبه ويدخله النار ، وهذا المفهوم جاء مصرحاً به مبيناً فِي آيات أخر ، كقوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ} [هود: 19] وقوله تعالى: {ولكن حَقَّ القول مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13] وقوله تعالى: {قَالَ ادخلوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن الجن والإنس فِي النار} [الأعراف: 38] : وقوله تعالى {فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ والغاوون وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} [الشعراء: 94 - 95] إلى غير ذلك من الآيات.
أما دخول المؤمنين ، المجيبين داعي الله من الجن ، الجنة فلم تتعرض له الآية الكريمة بإثبات ولا نفي ، وقد دلت آية أخرى على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة ، وهي قوله تعالى فِي سورة الرحمن: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 46 - 47 وبه تعلم أن ما ذهب إليه بعض أهل العلم ، قائلين إنه يفهم من هذه الآية ، من أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة ، وأن جزاء إيمانهم وإجابتهم داعي الله ، هو الغفران وإجارتهم من العذاب الأليم فقط ، كما هو نص الآية ، كله خلاف التحقيق.
وقد أوضحنا ذلك فِي كتابنا"دفع إيهام الاضطراب ، عن آيات الكتاب"في الكلام على هذه الآية ، من سورة الأحقاف فقلنا فيه ما نصه:
هذه الآية ، يفهم من ظاهرها ، أن جزاء المطيع من الجن غفران ذنوبه ، وإجارته من عذاب أليم ، لا دخوله الجنة.