الضلال بأمر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما ـ: جعلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسلاً إلى قومهم.
ولما كان كأنه قيل: ما قالوا لهم في إنذارهم؟ قيل: {قالوا} أي لقومهم حين أقبلوا عليهم: {يا قومنا} مترققين لهم ومشفقين بهم بذكر ما يدل على أنهم منهم يهمهم ما يهمهم ويكربهم ما يكربهم كما قيل:
وإن أخاك الحق من كان معك ...
ومن يضر نفسه لينفعك
ولما كانوا - بنزول ما في أسفار الأنبياء من بني إسرائيل والزبور والإنجيل خالية من الأحكام والحدود إلا يسيراً من ذلك في الإنجيل - قاطعين أو كالقاطعين بأنه لا ينزل كتاب يناظر التوراة في الأحكام والحدود وغيرها ، فكان قومهم ربما توقفوا في الإخبار بإنزال ما هو أشرف من ذلك ، أكدوا قولهم: {إنا سمعنا} أي بيننا وبين القارئ واسطة ، وأشاروا إلى أنه لم ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه ، مغن عن جميع الكتب غير هذا ، وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع فقالوا على سبيل التبيين لما سمعوا: {كتاباً} أي ذكراً جامعاً ، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل {أنزل} أي ممن لا منزل في الحقيقة غيره ، وهو مالك الملك وملك الملوك لأن عليه من رونق الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه بأنه منها فكيف إذا انضم إلى ذلك الإعجاز ، وعلموا قطعاً بعربيته أنه عربي وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه من الحكم والخطب والكهانة والرسائل والأشعار ، وبأنه مباين لجميع ذلك أنه قريب العهد بالنزول من محل العظمة ، فقالوا مثبتين للجار: {من بعد موسى} عليه الصلاة والسلام ، فلم يعتدوا بما أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة من الإنجيل وما قبله ، لأنه لا يساوي التوراة في الجمع ، ولا يعشر هذا الكتاب في الأحكام والحكم واللطائف والمواعظ مع ما زاد به من الإعجاز وغيره.