وجميع هذه الأخلاق محرمة إلا ما كان من اللعب واللهو الذي ليس فيه أذى الغير؛ فإنه مكروه، وكذلك اللعب بالحمام.
وروى ابن أبي الدنيا في"ذم الملاهي"عن إبراهيم النَّخعي رحمه الله تعالى أنه قال: من لعب بالحمام الطيارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر.
وكذلك البناء مباح في الأصل كاتخاذ القصور، والحصون، والمصاح، وإنما كان بناؤهم مذموماً لمعنى خارج عن كونه بناء؛ فإن مطلق البناء مباح، اللهم إلا أن يقال: إن بناء ما فوق الحاجة كان محرماً في شرعهم، وهو في شرعنا مكروه، وإذا انتهى إلى حد السرف وإضاعة المال كان محرماً، وكذلك إذا بني من مال حرام، وفي أرض مغصوبة، أو غُصب فيه البناؤون.
ولعلهم إنما ذموا البناء لأنه كان من مال المُكْس والظلم، أو لأنه كان منهم طلباً للخلود وأملاً للبقاء كما يدل عليه قوله: {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [سورة الشعراء: 129] ؛ أي: راجين للخلود؛ وهذا أقرب الاحتمالات.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، رفعه:"مَنْ بَنَى فَوْقَ مَا يَكْفِيْهِ كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَحْمِلَهُ"رواه الطبراني في"الكبير"، وأبو نعيم.
وقال أنس رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ بَنَى بِنَاءً أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَانَ وَبَالاً عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
وقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كُل بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَىْ صَاحِبِهِ يَوْمَ"
الْقِيَامَةِ إِلاَّ مَسْجِدًا". رواهما البيهقي في"الشعب"."
بل روى أبو داود، وغيره عن أنس - رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج يوماً ونحن معه فرأى قبة مشرقة، فقال:"مَا هَذه؟".
فقال أصحابه: هذه لفلان؛ رجل من الأنصار.
فسكت وحملها في نفسه، حتى إذا جاء صاحبها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سلم عليه في الناس، فأعرض عنه - صنع ذلك مراراً - حتى عرف الرجل الغضب فيه والإعراض عنه، فشكا ذلك إلى الصحابة، فقال: والله إني لأنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قالوا: خرج فرأى قبتك.
فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سوَّاها بالأرض.