ولك أن تقرأ في مثل هذه الدقَّة قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ} [القصص: 71 - 72]
فقال في الأولى {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} [القصص: 71] لأنها تتكلم عن آية الليل ، والسمع هو وسيلة الإدراك فيه ، وقال في الأخرى {أَفلاَ تُبْصِرُونَ} [القصص: 72] لأنها تتكلم عن آية النهار ، والبصر هو وسيلة الإدراك في النهار ، إذن: نلحظ دقَّة الأداء وإعجازه ؛ لأن المتكلم إله ورب ، فلا بُدَّ أنْ تجد كل لفظة في مكانها المناسب .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَقُولُونَ متى هذا ...} .
(متى) يُستفهم بها عن الزمان ، والاستفهام بها يدل على أنك استبطأت الشيء فاستفهمتَ: متى يحدث؟
الرسول صلى الله عليه وسلم حين بُعِث أخبر قومه أنه مُرْسَل إليهم بمنهج من الله ، وقد أيده الله بالمعجزات ، وأخبرهم بمصير مَن اتبعه ومصير مَنْ خالفه ، وأن ربه - عز وجل - ما كان ليرسله إليهم ، ثم يُسلْمه أو يتخلى عنه ، فهو لا بُدَّ منتصر عليهم ، فهذه سنة الله في أنبيائه ورسله ، حيث قال سبحانه: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 171 - 173]
لذلك قلنا: إذا رأيت موقفاً لم ينتصر فيه المسلمون ، حتى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة الصحابة ، فاعلم أن الجندية عندهم قد اختلتْ شروطها ، فلم يكونوا في حال الهزيمة جنوداً لله متجردين .