وهذا الفعل يأتي مرة متعدِّياً بنفسه ، كما في سورة الفاتحة: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] أي: يا الله ، فالله هو الهادي ، ونحن المهديون ، والغاية هي الصراط المستقيم .
ومرة يُعدَّى الفعل باللام ، كما في {الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهذا ...} [الأعراف: 43] فلم يَقُلْ: هِدانا هذا ، ومرة يتعدى بإلى كما في {. . والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213]
فتلحظ أن الهادي واحد وهو الله تعالى ، والمهديّ هو الخَلْق ، لكن المهْدَي إليه هو المختلف ، أما في هذه الآية فالأمر مختلف ، حيث يقول سبحانه: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ . .} [السجدة: 26] فلم تدخل اللام على المهْدى إليه ، إنما دخلتْ على المهدى ، فلم يقُلْ الحق سبحانه: أو لم يَهْدِ الله هؤلاء القوم لكذا .
فلماذا؟
قالوا: لأن بعض الناس يظنون أن الله حين يهدي إلى الطريق يُحمِّلك مشقات التكاليف ؛ لذلك نرى بعض الناس ينفرون من التكاليف ويروْنَ فيها عبئاً عليهم ، ومن هنا عبد بعضهم الأصنام ، وعبد بعضهم الشمس أو القمر . . الخ ؛ لأنها آلهة بدون منهج وبدون تكاليف ، ليس لها أوامر ، وليس عندها نَواهٍ ، وما أيسر أنْ يعبد الإنسان مثل هذه الآلهة التي لا مطلوبات لها .
والذي يرى في التكاليف مشقة ، ويراها عبئاً عليه يراها كذلك ؛ لأنها تصادم مراد نفسه في الشهوات وتحدُّ من رغباته ، ومرادات النفس ربما أعطتْك لذة عاجلة ، لكن يعقبها حسرة وشر آجل .
ومثَّلْنا لذلك بالتلميذ الذي يتحمل مشقة المذاكرة والدرس طمعاً في التفوق الذي ينتظر حلاوته ، وآخر يفضل اللذة السريعة العاجلة فيلعب ولا يهتم ، فيلاقي مذلَّة الفشل والاحتقار آخر العام .
إذن: عليك أنْ تقرن بين مشقة العمل والنتيجة والثمرة التي تنالها من ورائه ، وعندها تهون عليك مشقة التكاليف ؛ لأن ما ينتظرك من الأجر عليها أعظم مما قدَّمتَ وأبقى .