والإنسان منه مادة ومنه روح ، الروح في المادة تعطيها الحياة والحركة والفهم والفكر والتصرف ، وهما قبل أن يلتقيا كانا مُسبِّحَيْن لله تعالى ، فكل شيء في الوجود مُسبِّح {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ...} [النور: 41]
وعلى الإنسان أنْ يفهم هذه الحقيقة ، وأن يحافظ على الطبيعة الإيمانية في ذراته ومكوناته لتظل مشرقة نيَّرة بنور الإيمان ، فإنْ غفل عن هذه الطبيعة حدثتْ الأغيار ، وحدث عدم الإنسجام بين ذراته في الذات البشرية ، فحين تحمل إرادتُك الجسمَ والروحَ على المعصية يكرهك جسمك ، وتكرهك روحك ؛ لأنك خالفتَ منهج خالقها - عز وجل - فهي مُسبّحة عابدة وأنت لاهٍ غافل عَاصٍ ؛ لذلك تلعنك روحك وتلعنك أبعاضك .
ومن رحمة الله بالعاصي أن ينام فترتاح أبعاضه ، وترتاح روحه من معاصيه ، وتأخذ راحتها في عبادة ربها ، حيث لا منازع لها ، ولا معاند من إرادة صاحبها ، لذلك يشعر الإنسان بالراحة عند النوم ، ويقوم منه نشيطاً لما حدث من انسجام وتعادل بين ذرات ذاته أثناء النوم .
لذلك ورد أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تنام عينه ولا ينام قلبه ؛ لأن أبعاضه منسجمة دائماً في نومه وفي يقظته ، فإذا رأيتَ إنساناً يغلب عليه أنه مُنْهك القوى فاعرف أنه قد أتعب ذراته ، وأنها تودُّ الخلاص منه بالنوم ، وكأنها تقول له نَمْ فلم تَعْدُ صالحاً للتعايش معي .
إذن: الحق سبحانه يُنبِّهنا دائماً من هذه الغفلة بواسطة الرسل ، ثم يترك سبحانه للرسالات التي سبقتْ أدلة تؤيد الرسل الموجودين ، وتعينهم على أداء مهمتهم ؛ لذلك يقول لنا: انظروا إلى الرسل الذين سبقوا ، وكيف كانت عاقبة المكذِّبين بهم .