ألف سنة ، وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم ، وكان يفتي قبل مبعث داود عليه السلام ، فلما بعث قطع الفتوى ، فقيل له؟ فقال: ألا أكتفى إذا كفيت؟ وقيل: كان قاضيا في بني إسرائيل ، وأكثر الأقاويل أنه كان حكيما ولم يكن نبيا ، وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما: لقمان لم يكن نبيا ولا ملكا. ولكن كان راعيا أسود ، فرزقه اللّه العتق ، ورضى قوله ووصيته ، فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته. وقال عكرمة والشعبي: كان نبيا. وقيل: خير بين النبوّة والحكمة فاختار الحكمة «1» . وعن ابن المسيب: كان أسود من سودان مصر خياطا ، وعن مجاهد: كان عبدا أسود غليظ الشفتين متشفق «2» القدمين. وقيل: كان نجارا. وقيل: كان راعيا وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة. وعنه أنه قال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق ، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض. وروى أن رجلا وقف عليه في مجلسه فقال: ألست الذي ترعى معى في مكان كذا؟ قال: بلى. قال ما بلغ بك ما أرى؟
قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني. وروى أنه دخل على داود عليه السلام وهو يسرد الدرع وقد لين اللّه له الحديد كالطين ، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت ، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت. فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله ، فقال له داود: بحق ما سميت حكيما. وروى أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين ، فأخرج اللسان والقلب ، ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب ، فسأله عن ذلك؟ فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا ، وأخبث ما فيها إذا خبثا. وعن سعيد بن المسيب أنه قال لأسود: لا تحزن ، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: بلال ، ومهجع مولى عمر ، ولقمان. أَنِ هي المفسرة ، لأنّ إيتاء الحكمة في معنى القول ، وقد نبه اللّه سبحانه على أنّ الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي: هو العمل بهما وعبادة اللّه والشكر له ، حيث فسر إيتاء الحكمة بالبعث على الشكر غَنِيٌّ غير محتاج إلى الشكر حَمِيدٌ حقيق بأن يحمد وإن لم يحمده أحد.
[سورة لقمان (31) : آية 13]
وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)
قيل: كان اسم ابنه «أنعم» وقال الكلبي: «أشكم» وقيل: كان ابنه وامرأته كافرين ، فما زال
(1) . ذكر محمود في ذلك اختلاف العلماء في نبوته ، وذكر أثناء ذلك أنه خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة. قال أحمد: وفي هذا بعد بين ، وذلك أن الحكمة داخلة في النبوة ، وقطرة من بحرها ، وأعلى درجات الحكماء تنحط عن أدنى درجات الأنبياء بما لا يقدر قدره. وليس من الحكمة اختيار الحكمة المجردة من النبوة ،
(2) . قوله «متشفق» في الصحاح: «الشفق» : الرديء من الأشياء. يقال: غطاء مشفق ، أي: مقلل اه والظاهر أنه متشقق بقافين. (ع)