وفي قوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ تصريح بأن إيتاء الله الحكمة يقتضي شكرا، وهذا يفيد أن علينا أن نقابل نعمة الله علينا بهذا القرآن الحكيم بأن نشكر الله، وأن شكر ذلك عائد نفعه إلينا، أما الله عزّ وجل فغني عن العالمين. وبعد الآية الأولى من قصة لقمان عليه السلام يعرض الله علينا وصية لقمان لابنه. وهذا يفيد أن من الشكر لنعمة إيتاء الحكمة أن يوصي الإنسان بها أولاده ويربيهم عليها. وفي ذلك درس لنا، أن علينا أن نربي أولادنا على أخذ هذا القرآن والعمل به، فذلك من جملة الشكر على النعمة،
وإذ كان الولد هو أحب الخلق إلى الوالد فإن يوصي لقمان ابنه بما سيأتي فإن هذا يفيد أن هذه الوصايا هي ذروة الحكمة؛ إذ لا يوصي أب ابنه إلا بأغلى ما عنده:
وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ أي واذكر إذ قال لقمان لابنه وَهُوَ يَعِظُهُ أي في حالة وعظه له يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ قال ابن كثير:
أي هو أعظم أنواع الظلم. وقال النسفي: لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه، ومن لا نعمة له أصلا
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ أي حملته وهي تهن وهنا على وهن، أي تضعف ضعفا فوق ضعف، أي يتزايد ضعفها ويتضاعف؛ لأن الحمل كلما ازداد أو عظم ازدادت ثقلا وضعفا وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أي فطامه عن الرضاع لتمام عامين أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ هذا تفسير للوصية، أي وصيناه بشكرنا وبشكر والديه، وفصل بين الوصية ومضمونها بالتذكير بما تكابده الأم وتعانيه من المشاقّ في حمله وفصاله هذه المدّة الطويلة؛ تذكيرا بحقّها العظيم مفردا إِلَيَّ الْمَصِيرُ أي مصيرك إليّ، وحياتك عليّ، فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء