وما ألطف هذا الاتصال من حيث إن السورة الأولى ذكر فيها مغلوبية الروم، وغلبتهم المبنيتين على المحاربة، بين ملكين عظيمين من ملوك الدنيا تحاربا عليها وخرجا بذلك عن مقتضى الحكمة، فإن الحكيم لا يحارب على دنيا دنية لا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة، وهذه ذكر فيها قصة عبد مملوك - على كثير من الأقوال - حكيم زاهد في الدنيا، غير مكترث بها، ولا ملتفت إليها، أوصى ابنه بما يأبى المحاربة، ويقتضي الصبر والمسالمة، وبين الأمرين من التقابل ما لا يخفى.).
وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة لقمان:
(جاء هذا القرآن الكريم ليخاطب الفطرة البشرية بمنطقها. نزله الذي خلق هذه الفطرة، والذي يعلم ما يصلح لها وما يصلحها، ويعلم كيف يخاطبها، ويعرف مداخلها ومساربها. جاء يعرض على هذه الفطرة الحقيقة المكنونة فيها من قبل؛ والتي تعرفها قبل أن تخاطب بهذا القرآن، لأنها قائمة عليها أصلا في تكوينها الأول ..
تلك هي حقيقة الاعتراف بوجود الخالق وتوحيده، والتوجه إليه وحده بالإنابة والعبادة مع موكب الوجود كله المتجه إلى خالقه بالحمد والتسبيح .. إنما تغشى على الفطرة غواش من دخان هذه الأرض؛ وتغمرها غمرات من فورة اللحم والدم؛ وتنحرف بها
عن الطريق دفعات من الهوى والشهوة. هنا يجئ هذا القرآن ليخاطب الفطرة بمنطقها الذي تعرفه؛ ويعرض عليها الحقيقة التي غفلت عنها بالأسلوب الذي تألفه؛ ويقيم على أساس هذه الحقيقة منهاج الحياة كله، مستقيما مع العقيدة، مستقيما مع الفطرة، مستقيما على الطريق إلى الخالق الواحد المدبر الخبير .. ).
كلمة في سورة لقمان ومحورها:
إن سورة لقمان تفصّل - كزمرتها - في مقدمة سورة البقرة، حتى إن مقدمتها لتكاد تكون نفس الآيات الأولى من مقدمة سورة البقرة، مع تركيز خاص حول الاهتداء بكتاب الله، ومن ثمّ تحدّثنا عن الموقف المقابل والأسباب النفسية لذلك، وإذ تصف الآية الأولى هذا القرآن بالحكمة، وإذ كان في ذلك دعوة لاتّباع كتاب الله، فإنّ الكلام عن حكمة الله، وعن إيتاء الله الحكمة لخلقه، يأخذ حيّزا من السّورة، وكأنه يشير إلى أن مقتضى اتّصاف الله بالحكمة أن يكون كتابه حكيما، وإذ كان كتابه حكيما