فيتعين أن يكون {فأروني} تهكماً لأنهم لا يمكن لهم أن يكافحوا الله زيادة على كون الأمر مستعملاً في التعجيز، لكن التهكم أسبق للقطع بأنهم لا يتمكنون من مكافحة الله قبل أن يقطعوا بعجزهم عن تعيين مخلوق خلقه من دون الله قطعاً نظرياً.
وصوغ أمر التعجيز من مادة الرؤية البصرية أشد في التعجيز لاقتضائها الاقتناع منهم بأن يحضروا شيئاً يدّعون أن آلهتهم خلقته.
وهذا كقول حُطائط بن يعفر النهشلي وقيل حاتم الطائي:
أريني جواداً مات هَزلاً لعلني ...
أرى ما تزين أو بخيلا مخلَّدا
أي: أحضرني جواداً مات من الهزال وأرينيه لعلي أرى مثل ما رأيتيه.
والعرب يقصدون في مثل هذا الغرض الرؤية البصرية، ولذلك يكثر أن يقول: ما رأتْ عيني، وانظر هل ترى.
وقال امرؤ القيس:
فللَّه عيناً من رأى من تفرق ... أشتّ وأنأى من فراق المحصب
وإجراء اسم موصول العقلاء على الأصنام مجاراة للمشركين إذ يعدُّونهم عقلاء.
و {مِنْ دونه} صلة الموصول.
و (دون) كناية عن الغير، و {مِن} جارّة لاسم المكان على وجه الزيادة لتأكيد الاتصال بالظرف.
و {بل} للإضراب الانتقالي من غرض المجادلة إلى غرض تسجيل ضلالهم، أي في اعتقادهم إلهية الأصنام، كما يقال في المناظرة: دع عنك هذا وانتقل إلى كذا.
و الظالمون: المشركون.
والضلال المبين: الكفر الفظيع، لأنهم أعرضوا عن دعوة الإسلام للحق، وذلك ضلال، وأشركوا مع الله غيره في الإلهية، فذلك كفر فظيع.
وجيء بحرف الظرفية لإفادة اكتناف الضلال بهم في سائر أحوالهم، أي: شدة ملابسته إياهم. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 21 صـ}