والنبي - صلى الله عليه وسلّم - ينظر ويبتسم.
فما كان من نحو هذا فلا بأس به، وما فوقه أيضاً لم يكن بالحد الذي سبق ذكره.
ثم جاء في شر المغنيات ما فيه الشقاء والبيان بحكم الغناء، فمنه ما رواه عمر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «ثم المغنية سحت، وغناؤها حرام، والنظر حرام، وثمنها مثل ثمن الكلب، وثمن الكلب سحت، ومن ينبت لحمه من النار قال النار» فيحتمل أن يكون الحديث في المغنية بالأوتار، فقال غناؤها حرام، إشارة إلى غنائها المعروف وهو الذي سوت إليه إحدى الآلات التي سبق ذكرها من الملاهي، ونظر إليها في تلك الحال.
لأن النظر إليها في تلك الحال لا يكون إلا للتلهي بجميع ما يشاهد منها، فذاك هو حرام وأما تحريم ثمنها فمعناه أن يوصل البائع إلى فضل على ثمنها للغناء حرام، ودفع المشتري فضلاً عن الثمن الذي هو لها لأجل الغناء حرام.
فكل واحد من الأمرين حرام، لكن العقد مع ذلك ماض، والملك به واقع، وهو كمن يشتري عنباً ليعصرها خمراً، اشترى العنب بهذا الغرض حرام، ودفعه الثمن حرام.
والبائع إن علم ذلك منه كان تمكينه منه حراماً، وإخذه الثمن حراماً.
ولكن العقد يكون ماضياً، والملك من الجانبين واقعاً.
وهكذا لو باع سيفاً من قاطع طريق، أو سكيناً من رجل قد أعلمه أنه يشتريه منه ليقتل به مسلماً بغير الحق، كان البيع عليه حرام وأخذه الثمن حرام، وكان الشري على المشتري حرام، وإعطاؤه الثمن حرام، ولكن العقد يكون ماضياً والملك من الجانبين واقعاً.
فكذلك بيع القينة وشراؤها.
وأما تشبيهه - صلى الله عليه وسلّم - ثمن القينة بثمن الكلب، فهو في تحريم الأخذ والإعطاء لا في منافاة الملك.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه إن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «لا يحل إشتراء المغنيات ولا بيعهن ولا تجارة فيهن وثمنهن حرام» ثم تلا هذه الآية.
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} .
وما ذكره من المعنى قبل هذا، ففي سياق هذا الحديث دلالة عليه، لأنه - صلى الله عليه وسلّم - أخبر أن الإشتراء أو البيع لا يحلان، وليس في ذلك ما يمنع من اعتقاد العقد، ولا ما يوجب تحريم عين الثمن، وإنما يوجب تحريم أخذ عين الفضل الذي فيه لأجل الغناء.