وأما التصفيق فمكروه للرجال لأنه مما خص به النساء، وقد منع الرجال من التشبه بالنساء، كما منعوا من لبس الحرير والمزعفر كذلك.
وأما الرقص فإن لم يكن فيه تكسر وتحبب، فلا بأس به.
فإنه روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال لزيد: «أنت مولانا فحجل» قال: هو أن ترفع رجلاً وتقفز على الأخرى من الفرح.
وقال علي رضي الله عنه: أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنا وجعفر وزيد، فقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا فحجل ثم قال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي فحجل، ثم قال لي: أنت مني وأنا منك فحجلت» .
وأما ضرب القصب فإنه إشارة إلى وزن الشعر وتقطيع اللحن فقط وليس للتطريب ولا لها والأسماع تستلذه، وإن لم يكن معه قول، فكان الضرب بالقصب على وسادة، والضرب بالمطرق على الطشت سواء والله أعلم.
وصارت منزلة تحريم الدف والمزهر والطبل على الغناء منزلة تحريم النياحة على الميت.
فإنما لما كانت تقوي الغم وتعظم الحسرة كانت لتشفع فعل الله وقضائه عند المصائب وأشبهت النائحة من يوجد منه شيء فيقوم بوضعه ومدحه وذكر مرافقه وفوائده ومبالغة في تشنيع فعل الأخذ وتهجين أمره، فحرمت النياحة لما فيها من إفساد قلب المصاب والحيلولة بينها وبين الصبر، واتهامه أن الإساءة من الله - عز وجل - إليه عظيمة وإديانه من أن يظن أنه فيهم مظلوم فيضطهد.
فكذلك الملاهي تسعد الناس وتزعجهم، وتحول قلوبهم نحو الفساد وتلهيها عن الصلاح، فكان حكم ما يفسد القلب بما يملؤه من اللهو والطرب حكم ما يفسده بما يملأه من الحزن والأسف لذا كان القلب إذا امتلأ من اللهو لم يطق معه صاحبه صبراً عن المفاسد.
كما أنه إذا امتلأ من الحزن لم يطق معه صاحبه صبراً على المصيبة والله أعلم.
وقد قرب النبي - صلى الله عليه وسلّم - حيث قال فيما روي عنه: «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة.
صوت مزمار عند نعمة إن حدث، وصوت رنة عند مصيبة إن نزلت» وذلك والله أعلم إشارة إلى ما يثيب من مشاكل الأمرين، وبالله التوفيق.