عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَقَالَ: مَا قِوَامُ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ مُعَاذٌ:"ثَلَاثٌ، وَهُنَّ الْمُنْجِيَاتُ: الْإِخْلَاصُ، وَهُوَ الْفِطْرَةُ {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} وَالصَّلَاةُ؛ وَهِيَ الْمِلَّةُ وَالطَّاعَةُ؛ وَهِيَ الْعِصْمَةُ، فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ".
وَقَوْلُهُ {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}
يَقُولُ: لَا تَغْيِيرَ لِدِينِ اللَّهِ: أَيْ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تَغْيِيرَ لِخَلْقِ اللَّهِ مِنَ الْبَهَائِمِ بِأَنْ يُخْصَى الْفُحُولُ مِنْهَا.
وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ إِقَامَتَكَ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا غَيْرَ مُغَيِّرٍ وَلَا مُبَدِّلَ هُوَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، يَعْنِي الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ.
وَقَدْ وَجَّهَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى الدِّينِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى الْحِسَابِ.
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الدِّينَ الَّذِي أَمَرْتُكَ يَا مُحَمَّدُ بِهِ بِقَوْلِي {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} هُوَ الدِّينُ الْحَقُّ دُونَ سَائِرِ الْأَدْيَانِ غَيْرِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} تَائِبِينَ رَاجِعِينَ إِلَى اللَّهِ مُقْبِلِينَ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُنِيبُ إِلَى اللَّهِ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ، الَّذِي أَنَابَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ، وَرَجَعَ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ. كَانَ الْقَوْمُ كُفَّارًا، فَنَزَعُوا وَرَجَعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ"."
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: فَأَقِمْ وَجْهَكَ يَا مُحَمَّدُ لِلدِّينِ حَنِيفًا {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} إِلَى اللَّهِ؛ فَالْمُنِيبُونَ حَالٌ مِنَ الْكَافِ الَّتِي فِي وَجْهِكَ.