فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَكُونُ حَالًا مِنْهَا، وَالْكَافُ كِنَايَةٌ عَنْ وَاحِدٍ، وَالْمُنِيبُونَ صِفَةٌ لِجَمَاعَةٍ؟
قِيلَ: لِأَنَّ الْأَمْرَ مِنَ الْكَافِ كِنَايَةُ اسْمِهِ مِنَ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَمْرٌ مِنْهُ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَأَقِمْ وَجْهَكَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ لِلدَّيْنِ حَنِيفًا لِلَّهِ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَاتَّقُوهُ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَخَافُوا اللَّهَ وَرَاقِبُوهُ أَنْ تُفَرِّطُوا فِي طَاعَتِهِ، وَتَرْكَبُوا مَعْصِيَتَهُ {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
يَقُولُ: وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ بِتَضْيِيعِكُمْ فَرَائِضَهُ وَرُكُوبِكُمْ مَعَاصِيهِ، وَخِلَافِكُمُ الدِّينَ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) }
يَقُولُ: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينَهُمْ وَخَالَفُوهُ فَفَارَقُوهُ {وَكَانُوا شِيَعًا}
يَقُولُ: وَكَانُوا أَحْزَابًا فِرَقًا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:" {الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ: هَؤُلَاءِ يَهُودُ".
فَلَوْ وَجَّهَ قَوْلَهُ {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} إِلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ قَوْلِهِ: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وَأَنَّ مَعْنَاهُ: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ {وَكَانُوا شِيَعًا} أَحْزَابًا {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} كَانَ وَجْهًا يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ.
وَقَوْلُهُ: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}
يَقُولُ: كُلُّ طَائِفَةٍ وَفِرْقَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمُ الْحَقَّ، فَأَحْدَثُوا الْبِدَعَ الَّتِي أَحْدَثُوا بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ. يَقُولُ: بِمَا هُمْ بِهِ مُتَمَسِّكُونَ مِنَ الْمَذْهَبِ، فَرِحُونَ: مَسْرُورُونَ، يَحْسَبُونَ أَنَّ الصَّوَابَ مَعَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) }