إذن: فاستكبارك في غير محله ، والمستكبر دائماً إنسان في غفلة عن الله ؛ لأنه نظر إلى نفسه بالنسبة للناس - وربما كان لديه من المقومات ما يستكبر به على الناس - لكنه غفل عن الله ، ولو استحضر جلال ربه وكبرياءه سبحانه لاستحى أنْ يتكبَّر ، فالكبرياء صفة العظمة وصفة الجلال التي لا تنبغي إلا لله تعالى ، فكبرياؤه سبحانه شرف لنا وحماية تمنعنا أن نكون عبيداً لغيره سبحانه .
لذلك نسمع في الأمثال العامية (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) فإنْ كان لي كبير خافني الناس واحتميتُ به ، كذلك المؤمن يحتمي بكبرياء ربه ؛ لأن كبرياء الله على الجميع والكل أمامه سواسية ، لا أحد يستطيع أن يرفع رأسه أمام الحق سبحانه .
إذن: فكبرياؤه تعالى لصالحنا نحن .
وهذا المستكبر استكبر عن سماع الآيات {كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً} [لقمان: 7] أي: ثِقَل وصَمَم {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان: 7] ونحن نعلم أن البشارة لا تكون إلا في الخير ، فهي الإخبار بأمر سارٍّ لم يأْت زمنه ، كما تبشر ولدك بالنجاح قبل أنْ تظهر النتيجة .
أما البشارة بالعذاب فعلى سبيل التهكّم بهم والسخرية منهم ، كما تتهكم من التلميذ المهمل فتقول له: أبشرك رسبت هذا العام . واستخدام البُشرى في العذاب كأنك تنقله فجأة من الانبساط إلى الانقباض ، وفي هذا إيلام للنفس قبل أن تُقاسي ألم العذاب ، فالتلميذ الذي تقول له: أُبشِّرك يستبشر الخير بالبشرى ، ويظن أنه نجح لكن يُفَاجأ بالحقيقة التي تؤلمه .
والشاعر يُصوِّر لنا هذه الصدمة الشعورية بقوله:
كَما أبرقَتْ يَوْماً عِطَاشَاً غَمامَةٌ ... فَلمّا رأوْهَا أقْشَعَتْ وتجلَّتِ
ويقول آخر:
فَأصْبحتُ من ليلى الغَداةَ كقَابِضٍ ... علَى الماء خَانتْه فُروجُ الأصَابِع