وفي هذا المعنى قال الزمخشري رضي الله عنه: الملك يكون عنده الخادم ، فيفعل ما لا يُرضي سيده ، فيأمر صاحب الشرطة أنْ يأخذه ويعذبه جزاء ما فعل ، فيأخذه الشرطي ويُعذَّبه بقدر لا يتعداه ، لأنه يعلم أنه سيعود مرة أخرى إلى خدمة السيد ، فالعذاب في هذه الحالة يكون بقدر ما فعل الخادم ليس مهنياً له . لكن إنْ قال له: خُذْ هذا الخادم واقْصِه عن الخدمة أو افصله ، يعني: ليست له عودة فلا شكَّ أن العذاب سيكون مهنياً وأليماً .
فالعذاب إنْ سمَّيناه عذاباً يكون إكراماً لمن تحب وتريد أن تطهره ، أما العذاب المهين فهو لمن لا أمل في عودته ، والإهانة تقتضي الأبدية والخلود .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ ...} .
قوله تعالى: {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً ...} [لقمان: 7] بعد قوله: {وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله} [لقمان: 6] يدلنا على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ أمر دعوته ، حتى لمن يعلم عنه أنه ضَلَّ في نفسه ، بل ويريد أنْ يُضل غيره .
ومعنى {ولى} [لقمان: 7] يعني: أعرض وأعطانا (عرض أكتافه) كما نقول: وتولى وهو مستكبر {ولى مُسْتَكْبِراً} [لقمان: 7] أي: تكبَّر على ما يُدْعى إليه ، أنت دُعيت إلى حق فاستكبرت ، ولو كنت مستكبراً في ذاتك لما لجأت إلى باطل لتشتريه ، إذن: فكيف تستكبر عن قبول الحق وأنت محتاج حتى إلى الباطل؟
ولماذا تتكبَّر وليس عندك مُقوِّمات الكِبْر؟ ومعلوم أنك تستكبر عن قبول الشيء إنْ كان عندك مثله ، فكيف وأنت لا تملك لا مثله ولا أقل منه؟