السعي إلى الحرام وما أدى إلى الحرام فهو حرام ، وأما من لم يجد في نفسه شيئاً من هذه الأقسام الستة فيكره سماعه من جهة أن الغالب على العامة إنما هي الأهواء الفاسدة فربما هيجه السماع إلى صورة محرمة فيتعلق بها ويميل إليها ، ولا يحرم عليه ذلك لأنا لا نتحقق السبب المحرم ، وقد يحضر السماع قوم من الفجرة فيبكون وينزعجون لأغراض خبيثة انطووا عليها ويراؤن الحاضرين بأن سماعهم لشيء محبوب ، وهؤلاء قد جمعوا بين المعصية وبين إيهام كونهم من الصالحين ، وقد يحضر السماع قوم قد فقدوا أهاليهم ومن يعز عليهم ويذكرهم المنشد فراق الأحبة وعدم الإنس فيبكي أحدهم ويوم الحاضرين أن بكاءه لأجل رب العالمين جل وعلا وهذا مراء بأمر غير محرم ، ثم قال: اعلم أنه لا يحصل السماع المحمود إلا عند ذكر الصفات الموجبة للأحوال السنية والأفعال الرضية ، ولكل صفة من الصفات حال مختص بها ، فمن ذكر صفة الرحمة أو ذكر بها كانت حاله حال الراجين وسمعه سماعهم ، ومن ذكر شدة النقمة أو ذكر بها كانت حاله حال الخائفين وسماعه سماعهم ، وعلى هذا القياس ، وقد تغلب الأحوال على بعضهم بحيث لا يصغي إلى ما يقوله المنشد ولا يلتفت إليه لغلبة حاله الأولى عليه انتهى ، وقد نقله بعض الأجلة وأقره وفيه ما يخالف ما نقل عن الغزالي.
ونقل القاضي حسين عن الجنيد قدس سره أنه قال: الناس في السماع إما عوام وهو حرام عليهم لبقاء نفوسهم ، وإما زهاد وهو مباح لهم لحصول مجاهدتهم ، وإما عارفون وهو مستحب لهم لحياة قلوبهم ، وذكر نحوه أبو طالب المكي وصححه السهروردي عليه الرحمة في عوارفه ، والظاهر أن الجنيد أراد بالحرام معناه الاصطلاحي.
واستظهر بعضهم أنه لم يرد ذلك وإنما أراد أنه لا ينبغي.
ونقل بعضهم عن الجنيد قدس سره أنه سئل عن السماع فقال: هو ضلال للمبتدئ والمنتهي لا يحتاج إليه ، وفيه مخالفة لما سمعت.