وأنت خبير بأن قائل الْجُمْلَة الخبرية معتقد مضمونها؛ إذ الْكَلَام الخبري يلزمه الحكم الذهني
مُطْلَقًا، وهذا أقرب ما قيل أي الحكم بنزاهته وبعده عنه والتلفظ بما يدل عليه وكَذَلكَ
التقديس، وزاد الْقُرْطُبيّ فيه عَلَى وجه التعظيم وتركه المصنف؛ لأنه بلا تعظيم لا يكون
تسبيحًا. نقل عن الرَّاغب: السبح المر السريع في الماء والهواء. يقال سبخ سبحًا وسباحة
واسْتُعيرَ لمر النجوم في الفلك ولجري الفرس والتسبيح تنزيهه تَعَالَى. وأصله المر السريع في
عبادته وإلى هذا أشار الْمُصَنّف بقوله(من سبح في الْأَرْض والماء، وقدس في الْأَرْض إذا
ذهب فيها)لكن ذكر الْأَرْض دون الهوى عكس ما في الرَّاغب، وترك المر السريع فبين
كلامه وكلام الرَّاغب نوع مخالفة، ويمكن التوفيق بَيْنَهُمَا بجعل قوله من سبح وقدس من
الثلاثي (وأبعد) أي صار ذا بعد فالهمزة للصيرورة (ويقال قدّس إذا طهر) بتشديد الدال، ولما
أمكن أن يتوهم أن معنى الثلاثي غير مراع فيه أزال ذلك بقوله(لأن مطهر الشيء مبعده عن
الأقذار)سواء كان قذرًا فطهره أو لا فتطهيره من قبيل ضيق فم البئر.
قوله: (وبحمدك في مَوْضع الحال) والباء للملابسة وعاملها المقدر كائنين فقوله(أي
ملتبسين بحمدك)بيان حاصل الْمَعْنَى لا تقدير العامل، وهذا البيان يقتضي أن يكون التسبيح
والحمد في زمان واحد فحِينَئِذٍ يحمل أحدهما عَلَى المقال، والآخر عَلَى البال أو زمان نهاية
التسبيح زمان بداية الحمد. قال في أوائل سورة حم الْمُؤْمن وجعل التسبيح أصلًا، والحمد
حالًا لأن الحمد مقتضى حالهم انتهى. وفيه نوع مخالفة لقَوْله تَعَالَى (وَإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ(165)
وَإنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبّحُونَ (166) . فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لأن التحلية بعد التخلية
قوله: عَلَى ما ألهمتنا ما كونها مصدرية أولى من كونها موصولة. إما لفظًا فلاستغنائها عن
تقدير الضَّمير، وإما معنى فلأن الحمد عَلَى الإنعام أولى من كونه عَلَى النعمة، ولما كان
التسبيح مسبوقًا بالمعرفة قال (عَلَى ما ألهمتنا من معرفتك) فإن لم يذكر في النظم، وفيه
إشَارَة إلَى أن معرفة الْمَلَائكَة بالحدس لا بالاستدلال (ووفقا لتسبيحك) .
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: من سبح في. قال الرَّاغب: أصله من السبح وهو سرعة الذهاب في الماء واسْتُعيرَ لجري
النجوم في الفلك ولجري الفلك وتسبيح الله تَعَالَى تنزيهه بالْقَوْل والحكم وسبحان مصدر كـ كفران
قيل التسبيح بالطاعات والعبادات، والتقدير بالمعارف والاعتقادات يعنون أن مجرد وجود المانع
فيهم أو المرجح فينا كافٍ في أن لا يجعل هم مكاننا وخلائف ما. فَكَيْفَ وقد اجتمع الأمر أن قوة
المانع فيهم وكمال المرجح فينا، وهذا هُوَ فَائدَة الجمع بين التسبيح والتقديس.
قوله: وبحمدك في مَوْضع الحال قيل إن شئت علقت الباء بالتسبيح أي نسبح بالثناء عليك
وإن شئت قدرت نسبح معلنا بحمدك هذا، والثاني موافق لما اختاره الْمُصَنّف من معنى الحالية لكن
المقدر في اختيار الْمُصَنّف هُوَ الْمُنَاسب لمعنى الباء فإنه هَاهُنَا عنده للملابسة والمصاحبة، بخلاف
تقدير معلنًا فإن الإعلان ليس معنى الباء.