الْكَلَام عَلَى الأغلب والأكثر لكان أحسن وأولى ولو نبه عليه الْمُصَنّف لكان أحْرى (كالعفة)
وهي هيئة للقوة الشهوانية متوسطة بين الفجور والجمود(والشجاعة ومجاهدة الهوى
والإنصاف)وهي هيئة الْقُوَّة الغضبية المتوسطة بين التهور والجبن. والعفة فضيلة الْقُوَّة
الشهوانية وطرفاها رذيلة، وكذا الشجاعة أَيْضًا ومراده بالْقُوَّة الْعَقْليَّة الْحكْمَة وهي فضيلتها
والجربزة والبلاهة رذيلة الْقُوَّة الْعَقْليَّة ولم ينبه عليها لظهورها ولأن استشكال الْمَلَائكَة
في القوتين دون الْعَقْليَّة فلم يتعرض لبيان كمالها ونقصانها، ولأن الْقُوَّة الْعَقْليَّة إنما يتصور
الإفراط المذموم في الْقُوَّة العملية معها دون النظرية فإن هذه الْقُوَّة كلما كانت أشد وأقوى
كانت أفضل وأعلى، كذا في شرح المواقف، ولعل لهذا لم يتعرض لها.
قوله: (ولم يعلموا أن التركيب) أي تركيب الْقُوَّة الْعَقْليَّة مع الْقُوَّة الشهوية والغضبية
أي جمعها معها أو التركيب من أجزاء مختلفة وقوى متباينة، وأنت خبير بأن التعرض
للتركيب من أجزاء مختلفة مما لا يلائم المقام، لكنه تعرض له توضيحًا للمرام(يفيد ما
يقصر عنه الآحاد كالإحاطة بالجزئيات)أي بالجزئيات المادية المتغيرة وفي اختياره الإحاطة
تنبيه عَلَى أن الْمَلَائكَة وإن كان لهم إدراك بالمحسوسات الظَّاهرَة لكونهم ذوي حواس
سليمة عند أهل الشرع لكونهم أجسامًا لطيفة دون جواهر مجردة، وقد ورد في الخبر
الشريف أن"الْمَلَائكَة تتأذى مما تتأذى به بنو آدم". وقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"لا تدخل الْمَلَائكَة بيتًا"
فيه غلب أو تمثال". إلا أنهم لفقدان الْقُوَّة الشهوية ليس لهم إدراك بالمآكل والمشارب"
والمناكح والملابس ولذائذها ومرها، ولما انتفى إدراك تلك الجزئيات انتفت الكليات
المأخوذة من تلك الجزئيات وكذا حفظ الحقوق مع شركاء منزله وأقربائه وفي جميع
معاملاته من ثمرات الْقُوَّة الغضبية المفقودة في الْمَلَائكَة مع أنها من أشرف العلوم والأمور
في نظام العالم وفي الخلافة، ومن ذلك قهر الأعداء والاستعلاء عَلَى اللصوص وقطاع
الطريق وإقامة الحدود وحفظ الموجود ولا يكون كل من ذلك إلا بالْقُوَّة الغضبية.
قوله: (واستنباط الصناعات) أي الحرف وكيفية آلاتها كالقلم للكاتب والقادوم للنجار
والإبرة للخياط، وسيأتي توضيحه إن شاء الله تَعَالَى (واستخراج منافع الكائنات) أي
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: أولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد. أي البسائط كالإحاطة بالجزئيات الخ.
كان قوله هذا إيماء إلَى ما ذهب إليه الحكماء من أن الْمَلَائكَة العلوية التي هي العقول العالية لا
يحيط علمهم بالجزئيات، بل علمهم مقصور عَلَى الكليات وعلمهم بالجزئيات إنما هُوَ عَلَى الوجه
الكلي لا الجزئي وإن فضل المركب، وهو آدم عليهم بهذه المزايا رجحه عليهم في الاستخلاف.