ولما كانوا كأنهم قالوا: نحن لم نترك أزواجنا ، حملاً لقوله على الترك أصلاً ورأساً وإن كانوا قد فهموا أن مراده تركهن حال الفعل في الذكور ، قال مضرباً عن مقالهم هذا المعلوم تقديره لما أرادوه به ، حيدة عن الحق ، وتمادياً في الفجور: {بل أنتم قوم عادون} أي تركتم الأزواج بتعدي الفعل بهن وتجاوزه إلى الفعل بالذكران ، وليس ذلك ببدع من أمركم ، فإن العدوان - الذي هو مجاوزة الحد في الشر - وصف لكم أنتم عريقون فيه ، فلذلك لا تقفون عند حد حده الله تعالى.
فلما اتضح الحق ، وعرف المراد ، وكان غريباً عندهم ، وتشوف السامع إلى جوابهم ، استؤنف الإخبار عنه ، فقيل إعلاماً بانقطاعهم وأنهم عارفون أنه لا وجه لهم في ذلك أصلاً لعدولهم إلى الفحش: {قالوا} مقسمين: {لئن لم تنته} وسموه باسمه جفاء وغلظة فقالوا: {يا لوط} عن مثل إنكارك هذا علينا.
ولما كان لما له من العظمة بالنبوة والأفعال الشريفة التي توجب إجلاله وإنكار كل من يسمعهم أن يخرج مثله ، زادوا في التأكيد فقالوا: {لتكونن من المخرجين} أي ممن أخرجناه من بلدنا على وجه فظيع تصير مشهوراً به بينهم.
إشارة إلى أنه غريب عندهم ، وأن عادتهم المستمرة نفي من اعترض عليهم ، وكان قصدهم بذلك أن يكونوا هم المتولين لإخراجه إهانة له للاستراحة منه ، فكان إخراجه ، لكن إخراج إكرام للاستراحة منهم والنجاة من عذابهم بتولي الملائكة الكرام {قال} أي جواباً لهم: {إني} مؤكداً لمضمون ما يأتي به {لعملكم} ولم يقل: قال بل زاد في التأكيد بقوله: {من القالين} أي المشهورين ببغض هذا العمل الفاحش ، العريقين في هذا الوصف ، المذكورين بين الناس بمنابذة من يفعله ، لا يردني عن إنكاره تهديدكم لي بإخراج ولا غيره ، والقلاء: بغض شديد كأنه يقلي الفؤاد.