155 -فـ {قَالَ} لهم صالح: {هَذِهِ} البهيمة التي خرجت من الصخرة {نَاقَةٌ} دالة على نبوتي، أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم {لَهَا شِرْبٌ} ؛ أي: حظ ونصيب من الماء، تشرب منه يومًا كالسقي للحظ من السقي {وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} ؛ أي: ولكم نصيب وحظ من الماء، تشربون منه يومًا، فاقتصروا على شربكم، ولا تزاحموا على شربها، بل تشربون من لبنها فإن فيه كفاية لكم. قال قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، ولا تشرب في يومهم ماء.
وقرأ الجمهور: {شِرْبُ} في الموضعين بكسر الشين، وقرأ ابن أبي عبلة بالضم فيهما.
156 - {وَلَا تَمَسُّوهَا} ؛ أي: ولا تمسوا هذه الناقة {بِسُوءٍ} ؛ أي: بضرر كضرب وعقر {فَيَأْخُذَكُمْ} ؛ أي: فيحل بكم {عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} ؛ أي: شديد عذابه، فعظم اليوم بالنسبة إلى عظم ما حل فيه، وهو هاهنا صيحة جبريل.
157 -ثم حكى عنهم أنهم خالفوا أمر نبيهم، فقال: {فَعَقَرُوهَا} ؛ أي: قتلوها بطعنة السهم وضربة السيف. وأسند العقر إلى كلهم مع أن العاقر بعضهم لرضاهم به، ولذلك أخذوا جميعًا؛ أي: عقروها بعد أن مكث بين أظهرهم حينًا من الدهر، ترد الماء وتأكل المرعى.
روي: أن مسطعًا ألجأها إلى مضيق، فرماها بسهم، فسقطت، ثم ضربها قدار بالسيف في ساقيها. وكان قدار هذا قصيرًا دميمًا وابن زنا، اهـ شيخنا. قال مقاتل: فخرج في أبدانهم خراج مثل الحمص، فكان في اليوم الأول أحمر، ثم صار في الغد أصفر، ثم صار في الثالث أسود، وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، وهلاكهم يوم الأحد، انفقعت فيه تلك الجراحات، وصاح عليهم جبريل صيحة، فماتوا بالأمرين، وكان ذلك ضحوة؛ أي: فعقروها وقتلوا مثل هذه الآية العظيمة {فَأَصْبَحُوا} ؛ أي: صاروا {نَادِمِينَ} ومتحسرين على عقرها، وقتلها ندم الخائفين من العذاب العاجل، أو ندم التائبين عند معاينة العذاب، فلذلك لم ينفعهم الندم كفرعون حين ألجمه الغرق
158 - {فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ} الموعود على عقرها؛ أي: أهلكهم واستأصلهم، وهو صيحة جبريل عليه السلام.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف أخذهم العذاب بعدما ندموا على جنايتهم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:"الندم توبة"؟