153 -ولما عجزوا عن الطعن في شيء مما دعاهم إليه .. عدلوا إلى التخييل إلى عقول الضعفاء والعامة {قَالُوا} ؛ أي: قال قومه في جواب مقاله {إِنَّمَا أَنْتَ} يا صالح؛ أي: ما أنت إلا {مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} ؛ أي: من الذين سحروا كثيرًا، حتى غلب على عقولهم؛ أي: من المسحورين مرة بعد أخرى حتى اختل عقله، واضطرب رأيه، فلا يقبل لك قول، ولا يسمع لك نصح. فبناء التفعيل لتكثير الفعل، أو: إلّا من البشر الذين لهم السحر والرئة، يأكلون كما نأكل، ويشربون كما نشرب، كما قال الفراء،
154 -فيكون قوله: {مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} ؛ أي: مماثل لنا، تأكل كما نأكل، وتشرب كما نشرب تأكيدًا له. والمعنى: أنت بشر مثلنا، ولست بملك، فلا نؤمن بك {فَأْتِ بِآيَةٍ} ؛ أي: بعلامة تدل على صدقك {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} في دعواك أنك رسول إلينا.
فَإِنْ قُلْتَ: لم قال هنا {مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} بلا واو، وفي قصة شعيب: {وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ} بواو، فما الفرق بين الموضعين؟
قلت: ما هنا بدل مما قبله، وثَمَّ معطوف على ما قبله، وخص ما هنا بالبدل؛ لأن صالحًا قلل في الخطاب، فقلّلوا في الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب فأكثروا في الجواب.
والمعنى: أي إنك بشر مثلنا، فكيف أوحي إليك دوننا، كما حكي عنهم في آية أخرى: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) } .
روي: أن صالحًا عليه السلام قال لهم: أي آية تريدون؟ قالوا: نريد ناقة عشراء - الحامل في عشرة أشهر - تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا، فأخذ صالح يتفكر، فقال له جبريل: صل ركعتين وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم، ونتجت سقبًا مثلها في العظم. وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -: رأينا مبركها فإذا هو ستون ذراعًا في ستين ذراعًا.